في اختبار غزة
في اختبار غزة
الكوفية يتكاثف ولا يكف عن الاشتغال، حراك أعضاء "مركزية" فتح، بشفاعة فرضية الانتخابات المقررة حتى ألآن. غير أن هذا الحراك يتبدى خالي الوفاض من أية حمولة إيجابية، أو صحيفة من مآثر. فلم يُعرف عن واحد من هؤلاء أنه زار منطقة رفح المصرية لإظهار تعاطفه مع الأمهات الثكلى في غزة، أو ذهب ألى هناك، لمجرد التأسي على حال الناس الذين يتضورون جوعاً، عندما ظل يرميهم عن قوس واحدة، العدو مع حثالات التجار المحدثين، ومقاولي الإمداد ببعض الحاجيات الأساسية.
فمحض إظهار التعاطف عن قرب، سيُسجل كخطوة ذات قيمة رمزية ستكون مقدرة، رُغم كونها دون الإغاثة ودون أية فائدة عملية، وبالطبع دون مشقة تضاهي شقاء المشاركين في "أساطيل" الحرية التي أبحرت ولم تصل.
قبل 72 ساعة تقريباً، صرح أعلى مسؤول عسكري لدى دولة حرب الإبادة، أن خطة إفراغ غزة من سكانها، جاهزة وتنتظر القرار الأمريكي. ولم يجرؤ عضو "مركزية" واحد، ولا وزير واحد من الحكومة، ولا كبير السلطة كلها، على الإدلاء بتصريح يتعلق بخطة تنم عن سفالة وبلطجة، وعن الإنكار الغاشم لحقوق الناس في منازلها المصدعة أو المدمرة وخيامها البالية. فمن سمعوا تلك المجاهرة الوقحة، بنوايا سرقة الأرض وإفراغها من سكانها، تناسوا أن الأرض المعنية هي نفسها التي كانوا يسمونها "المحافظات الجنوبية" من الوطن. فلو أن طارق النتشة صاحب مشكلة "الكازيات" صرح بعزمه إفراغ محطة محروقات، لسُمع من يعلق ويستدرك، أما استنكار خطة إفراغ "محافظات" من أهلها البشر، فهو نوع من المغامرة التي يخشاها المتصدرون!
على الرغم من ذلك، ما تزال تترى، التصريحات المفخّمة عن "الديمومة" وعن "فتح" التي لا تُهزم. وفي السياق، يتوالى الحديث عن "قائمة موحدة" مع استبطان صورة لهذه "الفتح" تستلهم الفضيلة والمناقبية من ماضٍ ما، ربما يصفه مستذكروه وكأنه يعبر عن واقع الحال، بما يعني أن حركتهم الراهنة ما تزال الأكثر امتلاكاً لأوراق القوة ومحاسن الجسارة!
ظاهرة التنصل من الواجبات، تمثل قطيعة متجذرة مع المروءة والمصداقية، وهذه نفسها التي ترسم الفجوة الهائلة بين متصدري السلطة وعامة الناس. فعلاقة الأولين بفكرة العمل العام، تأسست على الأثرة والأنانية، بل إن نسيجها كله، صيغ على التنافر والتعانف أو النميمة!
ليت "فتح" اليوم كما يقولون. علماً بأن جعلها مثلما كانت ليس أسهل منه، لو إنهم من أولي العزم والزهد والصدق في النوايا وفي اللسان. فأية "ديمومة" هذه التي يتحدثون عنها، وأية صناديق اقتراع، ستفتح وتزف اليهم البُشرى، بعد أن سقط الرهط العاجز، في اختبار غزة.