ليس كل من يهاجم الكبار يصبح كبيراً
نشر بتاريخ: 2026/06/07 (آخر تحديث: 2026/06/07 الساعة: 22:16)

في السياسة كما في الحياة، هناك فرق بين من يبني ومن يهدم، بين من يعمل ومن يراقب من خلف الشاشات، وبين من يحمل هموم الناس ومن يحمل دفاتر الاتهامات الجاهزة.

لقد أصبحنا أمام ظاهرة تستحق التأمل: أشخاص لم يقدموا مشروعاً سياسياً، ولا مبادرة وطنية، ولا خدمة اجتماعية، ولا رؤية للمستقبل، لكنهم يعتقدون أن مهاجمة الآخرين هي الطريق الأسرع نحو الشهرة والتأثير.

غير أن الهجوم على الكبار لا يجعل منك كبيراً.

الكبير لا يُقاس بعدد المقالات التي يكتبها ضد خصومه، بل بما يتركه من أثر في حياة الناس. الكبير هو من يبني مؤسسة، أو يطعم جائعاً، أو يساعد طالباً، أو يرمم بيتاً، أو يساهم في تخفيف معاناة شعبه.

ومن هنا يحق للتيار الإصلاحي الديمقراطي أن يفتخر بما قدمه ويقدمه للناس. فمنذ سنوات طويلة، لم يكن التيار مجرد خطاب سياسي أو بيانات إعلامية، بل كان حاضراً في الميدان، بين الناس، وفي الأحياء والمخيمات والمدن، يقدم المساعدات الإنسانية والإغاثية والتعليمية والصحية، ويساهم في دعم الأسر المحتاجة في أصعب الظروف التي مر بها شعبنا.

وهنا يبرز السؤال البسيط الذي يتهرب منه كثير من المنتقدين:

ماذا قدمتم أنتم؟

كم أسرة ساعدتم؟

كم طالباً دعمتم؟

كم مريضاً وقفتم إلى جانبه؟

كم مشروعاً أطلقتم؟

كم أزمة ساهمتم في حلها؟

إن بعض من يرفعون أصواتهم اليوم ضد التيار لا يملكون سجلاً من الإنجازات بقدر ما يملكون أرشيفاً من الاتهامات والشعارات.

فالتيار الإصلاحي الديمقراطي لا يعتبر نفسه معصوماً من الخطأ، لكنه يملك شيئاً لا يستطيع خصومه إنكاره: رصيداً من العمل والخدمة والحضور بين الناس.

أما المقدس الحقيقي بالنسبة لنا فليس الأشخاص ولا المواقع ولا المناصب.

مقدسنا هو الإنسان الفلسطيني.

مقدسنا هو وحدة شعبنا.

مقدسنا هو كرامة أهلنا.

مقدسنا هو مساعدة المحتاج.

مقدسنا هو الحفاظ على النسيج الوطني الفلسطيني.

مقدسنا هو أن يبقى العمل الوطني أكبر من الأحقاد الشخصية والحسابات الفئوية الضيقة.

ولهذا فإننا لا ننشغل كثيراً بمن يهاجمنا بقدر ما ننشغل بما يمكن أن نقدمه للناس غداً.فبينما ينشغل البعض بكتابة الاتهامات، ينشغل آخرون بتوزيع المساعدات.

وبينما يبحث البعض عن خصم جديد، يبحث آخرون عن أسرة جديدة تحتاج إلى الدعم.

وبينما يعيش البعض على صناعة الأزمات، يعمل آخرون على تخفيف آثارها. التاريخ لا يتذكر من أكثر من الصراخ، بل من أكثر من العطاء.

يبقى السؤال معلقاً أمام كل من جعل من مهاجمة التيار مشروعه الوحيد: إذا لم يكن لديك ما تقدمه للناس سوى انتقاد من يعملون، فماذا ستكون فاعلاً عندما يتوقف الجميع عن العمل؟ فالناس لا تعيش على المقالات الغاضبة، بل على الإنجازات. والأوطان لا يبنيها المنتقدون وحدهم، بل يبنيها أولئك الذين ينزلون إلى الميدان، ويتحملون المسؤولية، ويختارون العمل حين يختار الآخرون الكلام.