قبل أن نقول ثورة للتغيير... نحتاج وعياً للتعبير
نشر بتاريخ: 2026/06/11 (آخر تحديث: 2026/06/12 الساعة: 02:32)

بين التغيير والتعبير عالم آخر لا يدركه أصحاب الشعارات ولا صُنّاع البطولات الوهمية... في غزة كل شيء مختلف، ليس لأن غزة من كوكب آخر، بل لأن غزة لديها حساباتها الوطنية والأخلاقية التي تتربع عليها... غزة التي حملت وتحملت عبء الوطن الكبير بقلبها الصغير... غزة التي لا تقبل الفوضى لأهلها وأبنائها.. غزة التي يحكمها منطق الحرب والسلم في آن واحد... من منطق الثورة التي نعيشها كل يوم... من قال أننا لا نعيش ثورة ضد كل شيء؟ ومن قال أننا ضد الأصوات التي تنادي للحياة؟ ... نحن في كل بؤرة بغزة نعيش ثورة يومية.. ثورة لتأمين المياه وثورة على التكية وثورة بالخيمة على الحشرات والقوارض... نعم هي ثورة متراكمة بكل شبر بغزة وبكل قلب نزف دماً من أجل صناع الحياة والعيش الكريم...

لكن... ثورة؟!

كلنا كفرنا بالفصائل والتنظيمات التي تخطب فينا أكثر مما تطعمنا... نعم لها حساباتها الخاصة ولنا حساباتنا الوطنية... وربما تعدينا ذلك كمواطنين عشنا أسوأ أيام عمرنا تحت شعارات وهمية لا تلبي أدنى مقومات الحياة.. عشنا من أجل بطولات خاصة... ومبادئ تنظيمية بدون حدود وطنية أو أخلاقية... عشنا مراهنات فردية وجماعية لكل فصيل على حدة... والكل ينتظر ساعة الحسم المبارك ليقول النصر لي، النصر للرايات، لا لعلم فلسطين الذي ترك وحيداً وسط زحمة الحزبية الضيقة والمقيتة... قبل أن نقول ثورة على الواقع... دعونا نعزز واقعنا وقيمنا وأخلاقنا، حتى لا نكون فريسة سهلة للفوضى والبلطجة وسلاح بعض العائلات التي تحتكم لمنطق القوة والكثرة... لا أحد يكره التغيير الذي يفضي للاستقرار والأمان... لا أحد ضد التغيير الذي يعزز مفهوم المواطنة والحرية... لا أحد يكره أن نرى مؤسساتنا مؤسسات وطنية لخدمة الجميع... كلنا مع التغيير الذي يفضي للحرية والسلام والديمقراطية الغائبة والمسروقة منذ أكثر من عشرة أعوام... نختلف مع الفصائل نعم... نكره خطاباتها الجوفاء نعم... نلعن الحزبية فيهم نعم... وننتظر اليوم الذي يأتي علينا بحرية الكلمة وحرية الاختيار وقوة المحاسبة... غزة اليوم بحاجة إلى تلاحم أهلها للخروج من هذه الكارثة الإنسانية والوطنية، كارثة دمرت كل مقومات وأشكال الحياة، ليس فقط على الصعيد المادي والعمراني والبيئي.. بل طالت حتى علاقاتنا الاجتماعية والإنسانية والوطنية، وأطلقت جيلاً أو حتى جيلين من الأطفال دون تربية أو تعليم أو حتى صحة، أجيال فقدت معها روح المحبة والأخوة وغابت عنها بيئة وطنية وإنسانية، جيل تربى بين التكيات وجالونات المياه.. جيل جعل من سقف الخيمة سماء ومن نور الحطب أملاً... وتقولون ثورة؟! ؟!

لا سبيل لنا الآن إلا الوحدة، ليست شعاراً، بل هي طريق نحو الخروج من الكارثة، إلى الخلاص من كل أبجديات الماضي... إلى نزع غبار النفسيات المريضة ورجس الحزبية والفصائلية وحتى المناطقية... نحو غدٍ لا نقبل فيه بأقل من حياة كريمة تعزز هويتنا الوطنية والإنسانية... نحو وطن يجمعنا جميعاً بكل أطيافه الوطنية وليست أطرافه الحزبية... الوطن للجميع