الانتخابات بين إعلان المرسوم وإلغائه: شرعية معطّلة بقرار رئاسي...!!؟!!
نشر بتاريخ: 2026/06/15 (آخر تحديث: 2026/06/15 الساعة: 20:20)

في الفقه الدستوري لا تُقاس الديمقراطية بوفرة المراسيم ولا بكثرة التعديلات القانونية، بل بقدرة النظام السياسي على تحويل النص إلى ممارسة، والوعود إلى صناديق اقتراع، والشرعية إلى فعل انتخابي مكتمل الأركان...

غير أن التجربة الفلسطينية خلال السنوات الأخيرة تكشف نمطاً مغايراً تُدار فيه الشرعية بمنطق الإعلان والإلغاء لا بمنطق الالتزام والتنفيذ، وكأن الانتخابات لم تعد استحقاقاً دستورياً بل متغيراً سياسياً يخضع للتقدير اللحظي...!!؟؟!!

منذ خمسة عشر عاماً...

جُرِئ حلّ المجلس التشريعي بمرسوم رئاسي بناءً على قرار المحكمة الدستورية التي جاء تشكيلها مخالفاً لنظامها الأساسي...!!؟!!

على أساس تعهّد واضح بالعودة إلى الشعب خلال فترة وجيزة (ستة أشهر) لإعادة إنتاج الشرعية عبر انتخابات عامة تعيد تشكيل المؤسسات الدستورية وفق الإرادة الشعبية.

لكن هذا التعهّد تمدد زمنياً بصورة غير مسبوقة، وتحول من إجراء مؤقت إلى حالة دائمة من التعطيل المؤسسي، حيث غاب المجلس التشريعي وبقيت الانتخابات حاضرة في الخطاب السياسي دون أن تتحول إلى واقع...

ثم جاء مرسوم الانتخابات في عام 2021 بوصفه خطوة مفصلية لإعادة تفعيل المسار الديمقراطي، وقد بدأت بالفعل عملية سياسية تمثلت في تشكيل القوائم وإعادة تموضع القوى السياسية، بما يوحي باقتراب لحظة الاحتكام إلى صندوق الاقتراع.

غير أن هذا المسار توقف قبل الوصول إلى لحظة التنفيذ، وتم الانتقال من منطق الإجراء إلى منطق الإلغاء دون استكمال منظومة الضمانات القانونية أو الإجرائية التي يفترض أن تحكم مثل هذا التحول...!!؟؟!!

وبعد عقد ونصف من الزمان...

عادت بروفة المرسوم الانتخابي للمجلس التشريعي، وبرزت حزمة من التعديلات القانونية الواسعة التي مست جوهر النظام الانتخابي، وشملت خفض سن الترشح، وتخفيض نسبة الحسم، وتوسيع الكوتة النسائية، ورفع عدد أعضاء المجلس التشريعي من مئة وعشرين إلى مئتين.

وهي تعديلات لا تندرج ضمن الإصلاحات الإجرائية المحدودة، بل تمثل إعادة صياغة شاملة لبنية التمثيل السياسي.

ومن الناحية الدستورية، يثير هذا النمط من التعديل المتزامن مع غياب دورة انتخابية قائمة إشكالية جوهرية تتعلق بمبدأ استقرار القاعدة الانتخابية، الذي يُعد من ركائز النظم الديمقراطية...

إذ يفترض أن تكون القوانين الانتخابية مستقرة ومحايدة نسبياً، وألا تُعدَّل بصورة جوهرية قبيل الاستحقاقات بما يؤثر على توازن المنافسة السياسية...!!؟؟!!

كما أن توسيع عدد أعضاء المجلس التشريعي في ظل أزمة مالية خانقة يمثل عبئاً إضافياً على المالية العامة، ويعكس اختلالاً في ترتيب الأولويات الوطنية، حيث تتوسع البنية التمثيلية في وقت تتراجع فيه القدرة المالية للدولة، وتتفاقم فيه الأزمات الاقتصادية والخدمية، بما يثير تساؤلات حول جدوى هذا التوسع في هذا التوقيت تحديداً...

ويضاف إلى ذلك أن الطبيعة التراكمية لهذه التعديلات تشير إلى أن الأمر لا يتعلق بتعديل منفرد، بل بإعادة هندسة كاملة للنظام الانتخابي، بما يشمل قواعد الترشح والتمثيل والحسم وعدد المقاعد، وهو ما يطرح تساؤلاً دستورياً حول ما إذا كانت هذه العملية تهدف إلى تحسين البيئة الانتخابية أم إلى إعادة تشكيل نتائجها مسبقاً عبر تغيير القواعد الحاكمة لها...!!؟؟!!

وفي ظل هذا المشهد، يصبح السؤال المركزي ليس حول إمكانية إجراء الانتخابات فقط، بل حول طبيعة المنهجية التي تُدار بها العملية الانتخابية...

هل هي منهجية تقوم على التزام نهائي ومسبق بالاحتكام إلى الصندوق؟

أم منهجية تقوم على إدارة مرنة للشرعية تسمح بالإعلان عند الحاجة والإلغاء عند التعذّر وإعادة الصياغة عند الضرورة السياسية...!؟!

فالانتخابات في جوهرها ليست مجرد نصوص قانونية، بل منظومة متكاملة تقوم على ثلاثة أعمدة أساسية: قاعدة قانونية مستقرة، وسلطة تنفيذية ملتزمة، وإرادة سياسية تحترم النتائج...

وفي حال اختلال أحد هذه الأعمدة تتحول العملية الانتخابية إلى إجراء شكلي قابل للتعليق أو الإلغاء دون ضوابط صارمة...!!؟؟!!

ومن هنا يبرز الإشكال الحقيقي: فغياب التزام واضح ونهائي بإجراء الانتخابات، وتحويلها إلى ملف قابل للإلغاء عند أول اختبار سياسي، يضعف من قيمة الشرعية التمثيلية، ويحوّل العملية الديمقراطية إلى حالة من السيولة القانونية تُدار وفق متغيرات اللحظة لا وفق قواعد ثابتة...

وفي المقابل، فإن التوجه نحو التزامن بين الانتخابات الرئاسية والتشريعية والمجلس الوطني يمثل، من الناحية النظرية، مدخلاً لإعادة بناء الشرعية على أساس شامل ومتكامل، بدلاً من منهجية التجزئة التي تفصل بين مكونات النظام السياسي وتعيد إنتاجه بشكل متقطع لا يعكس وحدة الإرادة الشعبية...!!؟؟!!

إن استمرار إدارة العملية الانتخابية بمنطق المرسوم والإلغاء والتعديل المتكرر لا يفضي إلى إصلاح سياسي حقيقي، بل إلى إعادة إنتاج الأزمة ذاتها بأدوات قانونية مختلفة، حيث تتحول الديمقراطية إلى خطاب معلن بينما يبقى التنفيذ مؤجلاً إلى أجل غير مسمى، وتبقى الشرعية في حالة تعليق دائم بين النص والتطبيق...

إن الحل لا يكمن في توسيع عدد المقاعد أو خفض نسب الحسم أو تعديل سن الترشح، بقدر ما يكمن في تثبيت قاعدة دستورية صارمة تُلزم بإجراء انتخابات متزامنة وشاملة (رئاسية وتشريعية ومجلس وطني) ضمن إطار قانوني واحد لا يقبل الإلغاء أو التعليق.

فإما شرعية تُنتج عبر صندوق اقتراع متكامل ونهائي، وإما استمرار لنموذج إدارة الشرعية بالمراسيم، حيث يبقى الشعب مصدر السلطة نظرياً فقط، بينما تُدار السلطة عملياً بمنطق الإعلان والإلغاء والتأجيل المستمر...!!؟؟!!