فساد عصري..من ناطحات السحاب إلى ناطحات الدولارات!
نشر بتاريخ: 2026/06/30 (آخر تحديث: 2026/06/30 الساعة: 18:24)

قبل الذهاب بعيدا في انتظار الرد على الأسئلة التي غالبا ما يحاول البعض طرحها في لحظة حدث مفصلي مفاجئ، أقدمت حكومة العراق برئيسها الشاب رجل الأعمال والقانوني علي الزيدي على إطلاق رصاصة مكافحة الفساد، بخطوات علنية ومحددة، دون فعل سنعمل سترون سوف حيث..ذهبت مباشرة لتطبيق، فيما يمكن اعتباره المشهد الأهم في العراق خلال سنوات ما بعد القرار الأمريكي بالتحالف مع بلاد فارس باحتلال العراق وتقاسمه حكما وحكومة منذ عام 2003.

حملة مطاردة الفساد في العراق، وصفت بأنها الحملة الأكبر التي تستهدف شخصيات سياسية رفيعة في تاريخ العراق الحديث، شملت اعتقال 47 شخصا، بينهم 12 نائبا ومسؤولون حكوميون بارزون، لتكسر قاعدة سائدة، بمطاردة بعض أدوات الفساد دون أن تصل إلى الرؤوس الحقيقية، ما يمنحها مصداقية عالية، مترافقة مع فتح "صندوق خاص" للأموال المصادرة، التي تصل قيمتها وفقا لما بدأ الحديث عنه، مليار دولار، تبدوا كأنها بداية اجتثاث لأخطر آفات مجتمعية، وليس "مداهنة سياسية" كما في زمن سابق.

كسرت الحكومة الزيدية، وبمشهد إبداعي، "قدسية" المنطقة الخضراء المحصنة بكل أدوات وأنواع الحصانة، أمنيا- سياسيا وقانونيا، فكان مشهد القوات العراقية وهي تزيل جدر "التحصين المضاعف"، وبعضا من سوادها السياسي الكامن تحت مسميات متعددة، مستفيدا من تطورات إقليمية نتاج حرب إيران، بكل جوانبها.

لن يقف المراقبون عند الإشادة بما يمكن وصفه بحملة هي الأهم في العراق، خاصة وسبقها قرار رئيس الحكومة بإلغاء مشروع السكك الحديدية، وإلغاء مشروع تطوير مطار بغداد الدولي، بعد موافقة الحكومة السابقة لوجود شبهات فساد، بل كيفية الانتقال من مطاردة "الحيتان الكبيرة" التي راكمت من ثروة الفساد ما فاق "أفلام الإثارة الهوتشكوكية" بالذهاب إلى مطاردة أس النظام الذي صنعها، لقطع الطريق على إعادة إنتاجها في زمن مختلف وظروف مختلفة.

مشهد حملة مطاردة حيتان الخراب والفساد في بغداد ومحافظات أخرى، ومظهر الأموال المصادر، شكل قوة دفع لأهل العراق أولا ومحيطها السياسي ثانيا، بأن بالإمكان فعل ما يجب فعله، وعدم القيام به ليس نقصا في معلومة أو جهلا بحقيقة، لكنه رفضا للقيام بها توافقا مع "مصالح كامنة" بأشكال متعددة، لتكون خطوات غير مسبوقة في بلاد العرب من محيطها إلى خليجها.

لم تخل الحياة العامة، نظما ومؤسسات، منذ وجود الإنسان من مظاهر الفساد، فلا يوجد عالم النقاء الإنساني المطلق، ولن يكون أبدا، لكن مع وجوده وجدت أدوات مطاردته، للحد من تأثيره، وتلك كانت دوما هي مقياس مجتمع عن آخر، فعندما تغيب المساءلة الحقة تزدهر المفاسدة، وتصبح قوة تنتج أدوات سلطتها في مكونات النظام بكل تفاصيله، فتبدو وكأنها باتت قدرا لا فكاك منه، إلى أن يأت من يدق جدران صناديق الفساد الكبير.

ودوما نالت حملات مكافحة الفساد الحق شعبية فريدة، وتحتفظ الذاكرة الإنسانية بمن حمل منجل اقتلاعها، نموذجا من طراز خاص، ونموذج كسر الرهبة التي تسود في ظل آلة القمع المركبة، فالفساد لن ير النور دون تكمالية مع أدوات النظام المختلفة، وخاصة الأمنية منها، فالثقة أي ثقة كانت لحاكم أونظام تبدأ من مفصل مواجهة الفساد.

قرار حكومة العراق بهدم "ناطحات الدولارات"، ومطاردة "الحيتان الكبيرة" في ليلة القبض على رؤوسها، هو الخطوة الأولى نحو بناء ناطحات شروق سياسية لوطن عليه أن يكون حرا وشعبه سعيدا.