أموات فوق الأرض... صرخة غزة الأخيرة إلى ضمير العالم
نشر بتاريخ: 2026/07/02 (آخر تحديث: 2026/07/02 الساعة: 20:23)

‏يخرج أبناء غزة إلى الشوارع ليس لأنهم يحبون الاحتجاج، ولا لأنهم يملكون ترف الوقت أو القدرة على التنظيم في ظل الجوع والخوف والدمار، بل لأن الإنسان عندما تُغلق في وجهه كل الأبواب، لا يبقى أمامه إلا أن يرفع صوته ليقول: نحن هنا... ما زلنا أحياء رغم كل ما مر بنا.

‏الخروج إلى الشوارع قد يكون رسالة مهمة إذا بقي سلمياً ومنظماً وواضح الأهداف، لأنه يوثق حجم المعاناة ويمنح الناس فرصة للتعبير عن آلامهم المكبوتة. لكنه وحده لا يكفي إذا لم يتحول إلى جزء من استراتيجية أوسع تجمع بين توثيق المعاناة، وإيصال الصوت إلى الإعلام العالمي، والتواصل مع المؤسسات الدولية، وتوحيد الخطاب الشعبي حول المطالب الإنسانية الأساسية التي لا يختلف عليها أحد: الغذاء، والدواء، والمأوى، والأمن، وحق الإنسان في العيش بكرامة.

‏إن ما يحتاجه أهل غزة اليوم ليس مجرد أن يسمع العالم صرخاتهم، بل أن يتحرك أصحاب القرار بخطوات عملية وحقيقية تنقذ ما تبقى من حياة الناس.

‏لقد وصل أهل غزة إلى مرحلة يصعب على الكلمات وصفها. هناك بشر يسيرون على الأرض بأجساد منهكة، لكن أرواحهم مثقلة بأحزان لا تحملها الجبال. آباء فقدوا أبناءهم، وأبناء فقدوا آباءهم، وأمهات ينتظرن خبراً يطمئن القلب فلا يأتي. أطفال كبروا قبل أوانهم، وشباب سرقت الحرب من أعمارهم أحلام الدراسة والعمل والزواج والاستقرار.

‏في غزة اليوم لا يبحث الناس عن الرفاهية، ولا عن الكماليات، ولا عن امتيازات خاصة. يبحثون عن أبسط حقوق الإنسان التي وُجدت لتكون حقاً لكل البشر. يبحثون عن رغيف خبز لا يذلهم الحصول عليه، وعن قطرة ماء نظيفة، وعن سقف يحمي أطفالهم من الحر والبرد والخوف، وعن ليلة ينامون فيها دون أن يستيقظوا على صوت انفجار أو خبر فاجعة جديدة.

‏إن أكثر ما يؤلم ليس الجوع وحده، ولا الدمار وحده، ولا فقد الأحبة وحده، بل ذلك الشعور القاسي بأن العالم يرى كل هذا المشهد ثم يمضي في حياته وكأن شيئاً لم يكن.

‏وغزة اليوم لا تطلب المستحيل. لا تطلب أكثر من أن يُنظر إلى أهلها كبشر لهم الحق في الحياة. فكل طفل في غزة يستحق أن يحلم، وكل أم تستحق أن تطمئن على أبنائها، وكل شاب يستحق فرصة لبناء مستقبله، وكل مسن يستحق أن يعيش ما تبقى من عمره بكرامة.

‏يا أصحاب القرار في هذا العالم، إن الشعوب لا يمكن أن تعيش إلى الأبد تحت وطأة الخوف والجوع والحصار. وإن الصمت أمام المأساة لا يصنع سلاماً، بل يطيل عمر الألم. وما يحتاجه أهل غزة اليوم ليس البيانات والخطب والشعارات، بل إجراءات حقيقية تلامس حياة الناس على الأرض وتعيد لهم شيئاً من الأمل الذي يتآكل يوماً بعد يوم.

‏أما نحن أبناء غزة، فرغم الجراح العميقة التي تسكن أرواحنا، ورغم التعب الذي أنهك قلوبنا، فإننا ما زلنا نؤمن أن الحق لا يموت، وأن الإنسان خُلق ليعيش حراً كريماً، وأن الليل مهما طال فلا بد أن يعقبه فجر.

‏نحن لسنا أرقاماً في نشرات الأخبار، ولسنا صوراً عابرة على شاشات العالم. نحن بشر نحلم كما يحلم الآخرون، ونحب الحياة كما يحبها الآخرون، ونريد لأطفالنا أن يضحكوا كما يضحك أطفال العالم.

‏وغزة، رغم كل ما أصابها، ما زالت ترفع صوتها إلى العالم: أنقذوا الإنسان قبل أن يضيع ما تبقى من إنسانيّتكم.