البنك الدولي يوثق نجاح الإمارات في التنويع الاقتصادي
نشر بتاريخ: 2026/07/06 (آخر تحديث: 2026/07/06 الساعة: 21:35)

متابعات: وثق البنك الدولي، في أحدث إصداراته حول مستجدات الآفاق الاقتصادية لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، النموذج الإماراتي في التنويع الاقتصادي، مبيناً أنه يمثل محركاً رئيسياً في بيئة إقليمية مثقلة بالتوترات الجيوسياسية وحالة عدم اليقين المستمرة لفترات طويلة.

وفي الوقت الذي رصد فيه التقرير معاناة اقتصادات إقليمية مجاورة من وطأة التركز الشديد على عوائد النفط، وثقت بيانات البنك الدولي تحول بوصلة النمو في الإمارات نحو قطاعات مرنة ومستدامة، برزت فيها الخدمات المالية، والسياحة، والصناعات التحويلية، لتقدم بذلك تجربة استباقية في التعامل مع الموارد الهيدروكربونية وتقليل الارتهان لها.

استراتيجيات بعيدة المدى

ويؤكد التقرير أن "تقدم الإمارات في تنويع مصادر دخلها جاء ترجمة لاستراتيجيات بعيدة المدى عززت مساهمة القطاعات البديلة لتتجاوز التوقعات، إذ باتت الأنشطة غير النفطية تقود عجلة النمو الاقتصادي بقوة واضحة".

وقام هذا التحول على ركائز أساسية، أهمها تحول أبوظبي ودبي لبيئات مالية عالمية جاذبة للاستثمارات الأجنبية، مدعومة بقوانين سهلة للمستثمرين وخدمات بنكية رقمية متكاملة.

ويضاف إلى ذلك القطاع السياحي المتطور المرتكز على بنية تحتية فائقة للمطارات والموانئ المتقدمة، ما ساهم في جعل الدولة الوجهة المفضلة للمسافرين والأعمال على حد سواء، وخفف من صدمات تراجع الطلب على النفط في الفترات السابقة.

وتكتمل هذه المنظومة، بالتركيز على بناء قاعدة صناعية وتصديرية متنوعة في مجال الصناعات التحويلية، مدعومة بالمناطق الحرة المتكاملة التي تدفع بحجم الصادرات غير النفطية نحو مستويات قياسية مستدامة.

ميزة لوجستية

وتطرق تقرير البنك الدولي بنظرة تحليلية إلى الميزة اللوجستية الفريدة التي صنعتها الإمارات لتفادي المخاطر الجيوسياسية المحيطة بالمنطقة؛ فبينما تعتمد اقتصادات أخرى في الشرق الأوسط على طرق تجارية ومسارات تصدير أحادية ومحصورة داخل مياه الخليج العربي، كشف الصراع الحالي عن عمق أزمة تلك الدول عند توقف الإنتاج أو تهديد الممرات المائية.

في المقابل، تميزت الإمارات، بالقدرة على تحويل أجزاء من إنتاجها النفطي والسلعي عبر موانئ تقع جغرافياً خارج مياه الخليج العربي، وهذه المرونة الهيكلية والقدرة على المناورة اللوجستية جنّبت التجارة الخارجية الإماراتية سيناريوهات الشلل الهيكلي وتوقف الإمدادات، ما جعلها تتبوأ مرتبة متقدمة في مؤشرات الأمان الاستثماري العالمي خلال أوقات الأزمات والنزاعات الإقليمية.

نضج التجربة التنموية

وفي هذا السياق، يرى خبير المال والاقتصاد وائل أبو محيسن، أن "ما وثقه البنك الدولي يعكس نضج التجربة التنموية للدولة، إذ يكمن الفارق الجوهري في عنصر الاستباقية؛ فالإمارات لم تنتظر نضوب النفط أو انهيار أسعاره لتتحرك، بل استغلت الطفرات النفطية السابقة لتمويل البنية التحتية الرقمية، والمناطق الحرة، والقطاعات اللوجستية، ما جعل الاقتصاد الإماراتي يمتلك مصدات صدمات هيكلية قوية قادرة على التعامل مع الأزمات الإقليمية دون أن يترجم ذلك إلى ركود محلي أو عجز مالي خانق".

ويقول أبو محيسن إن "تقرير البنك الدولي وضع الإصبع على الإشكال الإقليمي عندما تحدث عن عوائق الجغرافيا وافتقار البنية التحتية للكفاءة في بعض دول الجوار، بينما يتجسد النجاح الفعلي في كيفية القراءة المبكرة للإمارات للمخاطر الجيوسياسية عبر الاستثمار في موانئ خارج مضيق هرمز وبناء شراكات تجارية عابرة للقارات مع اقتصادات آسيوية وأفريقية كبرى، ما خلق شبكة أمان حقيقية للتجارة ومكن الدولة من تحويل مسارات الإمداد جزئياً بسلاسة مطلقة، وهو التعريف المهني للأمن الاقتصادي المستدام".

ويقدم تقرير البنك الدولي مقارنة هيكلية توضح التباين الاقتصادي في المنطقة. يضع الموقف الإماراتي القوي في كفة، وموقف اقتصادات دول المنطقة في كفة أخرى، لتوضيح كيف يهدد غياب التنوع الاستقرار طويل الأجل.

وبينما تتمتع الإمارات بتنوع واسع يقوده القطاع غير النفطي ومرونة عالية في تحويل خطوط الإنتاج والتصدير لموانئ خارج الخليج ومصدات مالية تمتص الصدمات، تعاني الدول المقابلة من تركز شديد واعتماد شبه مطلق على العوائد النفطية التقليدية وارتهان كامل لمسارات ومضائق تجارية أحادية مهددة بالنزاعات، ما يجعلها سريعة التأثر بحالة عدم اليقين المستمرة.

نمو مستدام

وتعيد الخلاصة التي حملها تقرير البنك الدولي تأكيد حقيقة رئيسية مفادها أن التنويع الاقتصادي ليس خياراً رفاهياً، بل استراتيجية بقاء وأمن قومي حتمية، وإن تفوق القطاعات غير النفطية الإماراتية وقدرتها على النمو المستدام؛ حتى في أحلك الظروف الإقليمية يعطي نموذجاً يمكن دراسته من قبل بقية دول المنطقة التي تسعى جاهدة للخروج من عباءة الاقتصاد الريعي.

ومع استمرار الإمارات في ضخ الاستثمارات الاستراتيجية بمجالات الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا والابتكار والاقتصاد الأخضر الرقمي، يبدو ما يوثقه البنك الدولي من إنجازات يمثل خطوة البداية في مسيرة تحول اقتصادي مستمرة لدولة الإمارات .