الخنق الاقتصادي وتقاطعاته
نشر بتاريخ: 2026/07/14 (آخر تحديث: 2026/07/14 الساعة: 15:29)

عندما يحدث زلزال أو فيضان أو حرب، تبادر دول وشعوب من أرجاء العالم إلى المساعدة ومحاولة إنقاذ حياة المنكوبين، والتخفيف من محنتهم وعذاباتهم. وهنا تستند مبادرات الدعم إلى منظومة قيم إنسانية، هي العنصر المشترك الأهم في ثقافات وحضارات شعوب العالم. بينما تعزز الروابط القومية والدينية والمصالح المشتركة الدعم والتضامن مع الشعب المنكوب الذي يتشارك الروابط ذاتها. بعد الهجوم الروسي على أوكرانيا واحتلال أجزاء منها، تضامنت أوروبا وأميركا مع الشعب الأوكراني، وفتحت كل الأبواب أمام اللاجئين، وخصصت موازنات بعشرات مليارات الدولارات لدعم أوكرانيا. صحيح أن الخشية من تمدد روسي في شرق أوروبا، والرغبة في انضمام أوكرانيا للاتحاد الأوروبي، ساهمتا في معاظمة الإنفاق والدعم العسكري واللوجستي الأوروبي والأميركي، لكن دعم الشعب الأوكراني كان مميزاً.

بعد هجوم 7 أكتوبر والرد الإسرائيلي عليه بحرب إبادة على قطاع غزة وتطهير عرقي في الضفة الغربية، تضامنت دول العالم ودول عربية مع الشعب الفلسطيني المنكوب، بالاحتجاجات المتواصلة على العدوان وجرائم الحرب الإسرائيلية، وبتقديم قوافل المساعدات الإنسانية، وبإنشاء مستشفيات ميدانية لعلاج الجرحى والمرضى، وبتطوع أطباء شجعان تمكنوا من الدخول إلى القطاع، وباستقبال بعض الدول للحالات الصعبة والخطرة من الأطفال، وبالتبرع المالي من مؤسسات وشعوب.. وأكثره تحوّل إلى عهدة حركة «حماس» والإخوان المسلمين في أكثر من بلد، وكان الرفض والمنع المصري والأردني للتهجير الذي كانت دولة الاحتلال تحاول تنفيذه أهم دعم.

رغم ذلك، كان مستوى الدعم لا يتناسب مطلقاً مع الكارثة التي حلّت بالمجتمع الفلسطيني في قطاع غزة، خاصة عندما دخل في طور المجاعة، على سبيل المثال، تسبب مشروع الإغاثة الأميركي الإسرائيلي لتقديم الغذاء إلى المواطنين الغزيين في مقتل 2600 مواطن وإصابة 20 ألفاً آخرين أثناء محاولتهم استلام طرود الغذاء. واستمر تزويد دولة الاحتلال بالقنابل والصواريخ التي كانت تفتك بالمدنيين الأبرياء، ولم يستطع النظام الدولي وقف الحرب، وكان نتنياهو وحكومته يحتكران قرار استمرار الحرب وتصعيدها، في الوقت الذي لم تحاول فيه «حماس» كسر هذا الاحتكار لدرء الخسائر والمعاناة التي فاقت طاقة البشر على الاحتمال.

تعاملت حكومة نتنياهو مع «حماس» وفصائل المقاومة كمنظمات إرهابية يجب القضاء عليها، ودمجت المجتمع الفلسطيني بحركة «حماس» وكأنه لا يوجد مدنيون، واعتبرت السلطة كياناً داعماً للإرهاب بتهمة تقديم الأموال لأسر الشهداء والأسرى، والتحريض ضد الاحتلال والاستيطان، ورفع قضايا وشكاوى للمنظمات الدولية ضد الانتهاكات والجرائم الإسرائيلية. مع العلم أن دفع مخصصات مالية لأسر الشهداء والجرحى وللأسرى مبدأ ورثته السلطة عن منظمة التحرير، ولم تعترض عليه كل الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة بعد اتفاق أوسلو، بما في ذلك الحكومات التي ترأسها نتنياهو لمدة 19 عاماً.

لقد جرّدت حكومة نتنياهو الكاهانية السلطة من بقايا صلاحياتها المنصوص عليها في اتفاق أوسلو، الذي بدوره أصبح شبه ملغى، وتنكرت لأي دور سياسي وإغاثي للسلطة في قطاع غزة، وأطلقت العنان للاستيطان ومنظماته الفاشية في الضفة الغربية، وصادرت الأراضي وأمسكت بالعصب الحساس للسلطة وهو المال من خلال اقتطاع أجزاء منه وغرامات وعقوبات على موت وإصابة إسرائيليين بأثر رجعي، واحتجاز كل أموال الضرائب (المقاصة) من أجل دفع السلطة تدريجياً نحو الانهيار.

وأصبح الوزير سموتريتش الذي يتبنى الحل الفاشي للصراع الفلسطيني - الإسرائيلي ومعه أكثرية الحكومة الحالية، هو الحاكم الفعلي للضفة الغربية الذي يتفنن في إلحاق الأذي بكل فلسطيني وفي اختراع عقوبات، ومن المواقف التي تطعن في أهليته للحكم الموقف الذي طالب فيه بتدمير 100 عمارة في بيروت مقابل كل جندي إسرائيلي يقتل في الجنوب اللبناني.

المشكلة لا تقتصر على حكومة إسرائيلية تتبنى وتمارس سياسات مستوحاة من أيديولوجية خلاصية متعصبة على النقيض من منظومة القوانين الدولية.. المشكلة أن هذه الحكومة تفلت من المساءلة والعقاب رغم فداحة الانتهاكات والجرائم، وهذا ربما صار سلوكاً اعتيادياً لنظام دولي وضع الحكومات الإسرائيلية فوق القانون. المصيبة أنه يترافق مع العقاب الإسرائيلي عقاب آخر من النظام الدولي والدول العربية. يتوقف الدعم المالي الدولي والعربي كضغط على السلطة من أجل إصلاحها وتصويب بنيتها في الوقت الذي يتضرر فيه المجتمع المدني الفلسطيني برمّته في قطاع غزة، ويتضرر قطاع التعليم وقطاع الصحة وقطاع الخدمات في الضفة. يحدث ذلك في الوقت الذي أوقعت فيه سلطات الاحتلال أشد الأضرار بالطبقة العاملة الفلسطينية؛ عندما منعت أكثر من 100 ألف عامل داخل الخط الأخضر وفي مستوطنات الضفة الغربية من مواصلة عملهم. انهيار السلطة وتفكيك المجتمع هدفان أساسيان لحكومة نتنياهو الكهانية، وهذا مفهوم ومعمول به قبل 7 أكتوبر وزادت وتيرته نوعياً في حرب الإبادة والتطهير العرقي. غير أن ضغط الاتحاد الأوروبي والدول العربية على السلطة طوال فترة الحرب من خلال إيقاف الدعم المالي عنها خدم ويخدم عملية تفكيك المجتمع ومن ضمنه انهيار السلطة. رفض الفساد ومعاقبة الفاسدين وعزلهم ينبغي أن ينفصل عن استمرار مؤسسات التعليم والصحة والشؤون الاجتماعية والعمل في أداء دورها. كان يمكن تحويل الدعم إلى تلك المؤسسات أو إخضاع دعم السلطة لرقابة مستقلة.

دعم الشعب الفلسطيني وأي شعب يعيش في شروط مشابهة يعني رفض الاحتلال والسيطرة على شعب آخر، ورفض التمييز والاضطهاد والإرهاب والقمع والقرصنة والنهب، ويعني الانتصار لمبدأ الحرية والعدالة.

إن رفض الظلم أينما كان ومقاومته واجب ومسؤولية، ورفض استمرار الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية والعمل على إنهائه واجب ومسؤولية يتشارك فيها الشعب الفلسطيني مع سائر الشعوب والدول. لهذا فإن الدعم المرتبط بحرية وتحرر شعب لا تجوز فيه مساومة واشتراطات وضغوطات، خاصة في الأوقات الحرجة.

أسئلة كثيرة تدور في ذهن كثيرين وفي مقدمتها، لماذا أوصلت المؤسسة الفلسطينية شعبها إلى هذا الوضع وهذا المستوى من العجز؟ هل هو الفساد المالي والإداري والخصخصة، أم سياسة الاقتصاد الريعي التي لا تسعى إدارته إلى تطوير الموارد من داخل المجتمع وتعتمد فقط على الدعم الخارجي؟ هل يفتقد الرأسمال الفلسطيني الوطني إلى مشروع يجمع بين الربح وتطور المجتمع اقتصادياً واجتماعياً وديمقراطياً.

وأصاب من قال: إن السياسة هي تكثيف للاقتصاد.