غزة تستعد لشتاء قاسٍ.. هل تصمد الخيام أمام العاصفة؟
نشر بتاريخ: 2026/08/15 (آخر تحديث: 2026/08/15 الساعة: 12:06)

النازحون بين برد الشتاء وهشاشة الإمكانات.. حين تصبح الأوتاد أضعف من الرياح

مع اقتراب الشتاء، تبدو غزة أمام فصل جديد من المعاناة، لا يقل قسوة عن الحرب التي أنهكت الإنسان والمكان. فالعاصفة القادمة لن تكون مجرد منخفض جوي عابر، بل اختبارًا قاسيًا لقدرة الخيام المهترئة ومراكز الإيواء المؤقتة على حماية آلاف النازحين من المطر والبرد والرياح.

السؤال الذي يفرض نفسه: هل تستطيع هذه الخيام أن تصمد أمام شتاء عاصف؟ وهل تكون أوتادها أقوى من الرياح؟

تحذيرات وزارة التنمية الاجتماعية في غزة تضعنا أمام واقع شديد الخطورة؛ إذ يعيش أكثر من 90% من سكان القطاع، أي أكثر من 1.8 مليون فلسطيني، في خيام أو مراكز إيواء أو بين أنقاض منازلهم المدمرة، في ظروف تجعل الشتاء القادم مصدر تهديد مباشر لحياة النازحين، خصوصًا الأطفال وكبار السن والمرضى وذوي الإعاقة.

الخطر لا يكمن في المطر وحده، وإنما في غياب مقومات مواجهة الشتاء. فهناك نقص في الخيام والبطانيات والفرش والملابس الشتوية ومواد العزل ووسائل التدفئة، إلى جانب ضعف شبكات تصريف مياه الأمطار والصرف الصحي، وتراكم النفايات، وهي عوامل قد تجعل مخيمات النزوح عرضة للغرق وانتشار الأمراض والأوبئة.

ومع ذلك، لا يمكن تجاهل الجهود الإنسانية التي بذلتها دولة الإمارات العربية المتحدة، من خلال عملية «الفارس الشهم 3»، إلى جانب ما قدمته المؤسسات الإنسانية العربية والدولية والغربية من دعم متواصل للنازحين الفلسطينيين.

فقد واصلت «الفارس الشهم 3» تقديم المساعدات الغذائية والطبية والإيوائية، وكسوة الشتاء والخيام، في استجابة مستمرة للاحتياجات الإنسانية المتزايدة. ووفق بيانات إماراتية، تجاوزت العملية 8,700 شاحنة وأكثر من 1.6 مليون طرد مساعدات، عبر أكثر من 250 قافلة، بما يؤكد حجم الجهد الإغاثي المبذول لمساندة سكان القطاع.

وفي إحدى مراحل الاستجابة الشتوية، تضمنت قافلة إماراتية أكثر من 240 طنًا من المساعدات، بينها كسوة الشتاء والخيام ومستلزمات الأسر والمواد الغذائية والطبية.

هذه الجهود تستحق التقدير، لكنها في ظل حجم الكارثة لا تعني أن الاحتياجات قد انتهت. فالمطلوب اليوم هو استمرار الدعم وتوسيعه قبل وصول الشتاء، لأن أكثر من 1.8 مليون إنسان يعيشون في ظروف شديدة الهشاشة، ولا يمكن لمبادرات الإغاثة الطارئة وحدها أن تواجه مخاطر موسم كامل.

إن غزة لا تحتاج إلى انتظار أول عاصفة حتى تبدأ الاستجابة. الشتاء القادم يجب أن يكون حاضرًا الآن على طاولة التخطيط والإغاثة.

المطلوب ليس فقط توزيع البطانيات والخيام، بل تأهيل أماكن النزوح، ورفع كفاءة شبكات تصريف مياه الأمطار والصرف الصحي، وتأمين مواد العزل والتدفئة، وإزالة النفايات، وتهيئة ممرات آمنة تمنع تحول مخيمات النازحين إلى برك من المياه والطين.

وهنا تبرز مسؤولية المجتمع الدولي والمؤسسات الإنسانية العربية والغربية، إلى جانب الدول التي قدمت الدعم، في الانتقال من الاستجابة الطارئة إلى خطة شتوية متكاملة تحمي الإنسان قبل أن تضرب العاصفة.

فالشتاء في الظروف الطبيعية فصل من فصول السنة، أما في غزة، حيث يعيش الإنسان فوق أنقاض بيته وتحت سقف من النايلون والقماش، فقد يتحول إلى كارثة جديدة إذا لم تسبق العاصفةَ خطةُ استجابة حقيقية.

غزة لا تحتاج إلى من ينتظر سقوط المطر ليرى حجم المأساة؛ إنها تحتاج إلى من يتحرك قبل أن تهب الرياح.

فحين تكون الخيمة هي البيت، يصبح الاستعداد للشتاء دفاعًا عن الإنسان والكرامة والحياة.