الانتخابات الفلسطينية: فن التحالفات أم إعادة إنتاج الأوهام؟
نشر بتاريخ: 2026/08/16 (آخر تحديث: 2026/08/16 الساعة: 17:26)

​من جديد، وبعد تعثرها لسنوات، حملت الدعوة لإجراء الانتخابات التشريعية الفلسطينية المقررة في الثامن والعشرين من نوفمبر/تشرين الثاني القادم، مفارقة تاريخية تتأرجح بين الرغبة في تجديد الشرعيات السياسية والخوف من إعادة إنتاج أزمات الانقسام القديمة. ففي الوقت الذي تعيش فيه الحالة الفلسطينية تيهاً ديمقراطياً -قبل أن يكون سياسياً أو اجتماعياً واضحاً- تبرز تساؤلات حتمية حول مدى صدقية هذه العملية الانتخابية وقابليتها للتطبيق الفعلي، خاصة في قطاع غزة الذي خرج مثقلاً من الحرب، وفي القدس المحتلة التي تواجه معركة عزل وتثبيت مستمرة لواقع التهويد.

​ورغم تعقيد المشهد الإنساني والجغرافي على الأرض، إلا أن الصالونات الحزبية والساحات الإقليمية تشهد حراكاً مكوكياً لا يهدأ؛ حيث يدور الحديث خلف الكواليس عن ولادة قوائم جديدة تضم مستقلين وتكنوقراط، وائتلافات عابرة للفصائل التقليدية المترهلة. وفي قلب هذا الحراك، يبرز تيار الإصلاح الديمقراطي بقيادة القائد محمد دحلان، الذي بات يحظى اليوم بنفوذٍ لافتٍ وملموس ناتج عن حضوره الإغاثي والخدماتي القوي في غزة، إلى جانب تحركاته السياسية كوسيط ومسوق للتوافقات السياسية والأمنية وخارطة الطريق مع الإدارة الأمريكية ومجلس السلام. تيار دحلان، الذي أجرى مؤخراً تغييرات هيكلية واسعة في صفوفه استعداداً لمعركة نوفمبر، يسعى للدفع بوجوه شابة وقوائم مرنة لتجاوز قيود الاصطفاف الفصائلي الضيق.

​وخلف الكواليس والأبواب المغلقة، تتواصل اللقاءات لعقد تحالفات مع شخصيات وطنية وأخرى مستقلة تحظى بقبول في الشارع الفلسطيني، وممن يمتلكون علاقات واسعة بالمحيط العربي والدولي. هذا التحالف الذي يتجاوز الأيديولوجيا والرجعية الحزبية إلى مبادئ جديدة تحكمها المصالح الوطنية أولاً، بعد الفشل الذريع الذي عاشه الشعب الفلسطيني بحكم السلطة الفلسطينية في الضفة وحكم حماس في غزة منذ عشرين عاماً.

​حماس، التي رحبت بالانتخابات خلال الأيام الماضية، والتي تحاول خلال الشهور الماضية إعادة بناء هياكلها التنظيمية، ترسم ملامح مرحلة جديدة لا تكون فيها في صدارة المشهد، بل لاعباً يحظى بثقل في الشارع وفي المؤسسات الرسمية، وأهمها المجلس التشريعي صاحب السيادة على السلطات. دعوة الشارع إلى التسجيل ليست عبثاً، فهي تدرك أن هذه المرحلة حاسمة في تاريخها بعد أحداث السابع من أكتوبر؛ فأعادت رسم وتفعيل أدواتها الشعبية والمؤسساتية، وحتى التحالفات مع الفصائل الموالية لها لتسابق الزمن للحفاظ على آخر معاقلها وشرعيتها التي باتت على المحك في ظل المتغيرات الإقليمية والدولية. فهل تنجح في دقيقة الوقت الضائع في إرضاء "أصحاب النفوذ" للسماح لها بالبقاء أولاً كقوة مهمة في ميزان القوى الفلسطينية، أو ممارسة دور -وإن كان شكلياً- في مرحلة اليوم التالي؟

​ومن صراع الانتخابات إلى صراع المصالح والنفوذ؛ خلف الأضواء تحاك التحالفات داخل اللجنة المركزية لحركة فتح، بعد أن بات واضحاً عمق الأزمة بين هياكلها القيادية إثر الاستفراد بالقرارات وتوزيع الأدوار وفق الولاءات والمصالح الشخصية للرئيس محمود عباس. والسؤال الذي يؤرق ليس فقط أبناء فتح بل كل الشارع الفلسطيني الذي يهمه قوة حركة فتح ومكانتها على الساحة الفلسطينية: هل سنرى قوائم لحركة فتح بعد هذا التشتت والاصطفافات الداخلية؟ أم سينجح العقلاء في التقريب بين الخصماء وإرضاء من باتوا يهددون مستقبل الحركة ومكانتها في حال قيام تحالفات خارج إجماع حركة فتح التي باتت أسيرة بيد المصالح الخاصة والرؤية البعيدة عن الإجماع الوطني داخل الحركة؟

​إن الانتخابات في المفهوم السياسي المعاصر هي "فن صناعة التحالفات والممكن"، لكنها في الحالة الفلسطينية الراهنة تقف أمام مفترق طرق حاسم؛ إما أن تلتقي القوى والفرقاء على جدول وطني جامع يعيد بناء منظومة التحرر الوطني والنظام السياسي على أسس كفاءة حقيقية تليق بتضحيات الشعب وصموده، وإما أن تتحول هذه الانتخابات إلى نقطة سوداء جديدة تُضاف إلى سجل القضية الفلسطينية؛ نكبةً ديمقراطية تكرر أخطاء عامي 2006 و2021، وتُعمق الانقسام والمأزق الوجودي بدلاً من إنقاذ ما تبقى من جغرافيا وتاريخ. الوقت ليس لصالح الهياكل البالية، والصناديق القادمة ستكشف ما إذا كانت القيادة السياسية قادرة على محاكاة وعي الشارع الذي تجاوزها بمراحل ضوئية.

​وأمام هذه الخارطة المعقدة، تفرض آليات التنفيذ معضلة لوجستية وأمنية كبرى؛ فكيف يمكن للجنة الانتخابات المركزية فتح مراكز الاقتراع وتحديث سجلات الناخبين وسط ركام قطاع مدمر جغرافياً، وسكان غارقين في خيام النزوح يعاد رسم جغرافيتهم الإنسانية والميدانية يومياً؟ وكيف سيتم انتزاع حق المقدسيين في التصويت والترشح أمام فيتو الاحتلال الذي يستغل غبار الحرب لفرض واقع تهويدي جديد؟ وهل خيار الاقتراع الإلكتروني في قطاع غزة ومدينة القدس هو الخيار البديل؟ ومن يضمن سلامة ونزاهة هذا الخيار؟ أم سيكون للرئيس خيار التأجيل كما حدث عام 2021؟