ليس أسوأ من أن يُحاسب الشعب مرة أخرى بصندوق الانتخابات وكأن التاريخ يعيد نفسه؛ فمن اكتوى بنار من تفردوا بالقرارات وأخذوا الشعب رهينة -حين اختاروا في وقت "الثمالة الوطنية" من يرضونهم لمستقبل أبنائهم- يدرك حجم المأساة.
ليس مجرد سؤال أن تطرح: كيف لصندوق الانتخابات أن يحاسب القيادات والأحزاب والسلطة في الحالة الفلسطينية؟ فنحن هنا نمس جوهر الأزمة السياسية والوطنية المعاصرة. فالصندوق الانتخابي، رغم أهميته كمظهر ديمقراطي إجرائي لتداول السلطة أو تجديد الشرعيات، يظل أداة دورية وموسمية تقف عاجزة وحدها عن مواجهة ترهل المنظومات السياسية، أو تقاعس الأحزاب والقوى، أو محاسبة الإخفاقات التي تجري بحق القضية الفلسطينية وجعل حياة المواطن وقوداً للصراعات والتجاذبات.
ومن قال إن أوهام العِصمة تحت الاحتلال تبرر الخطايا الوطنية بحق القضية؟ فدروس التاريخ وحركات التحرر تؤكد أن بعض القيادات السياسية تتسلح بـ "ذريعة الاحتلال" لتعتبر أن الظروف الاستثنائية تعصمهم من المحاسبة النقدية أو تبرر إخفاقاتهم وانقساماتهم. لكن تجارب حركات التحرر الوطني العالمية تثبت العكس تماماً؛ فالحركات الثورية الحية لم تنتظر نهاية الاحتلال لتصحح مسارها أو تحاسب قياداتها، بل جعلت النقد الذاتي والمحاسبة الثورية جزءاً أصيلاً من عقيدتها النضالية. خذ مثلاً تجربة جبهة التحرير الوطني الجزائرية؛ فبرغم ضراوة الاستعمار الفرنسي وقسوته، شهدت مسيرة الثورة محطات نقد وتصحيح مسار حادة ومؤتمرات تقييمية (مثل مؤتمر الصومام عام 1956)، حيث خضعت القيادات للمساءلة المستمرة حول إدارة الكفاح وأوضاع الشعب، لأن انهيار الجبهة الداخلية يعني سقوط المشروع التحرري بأسره. وكذلك تجربة المؤتمر الوطني الأفريقي (ANC) في جنوب أفريقيا، فقد وضعت الحركة آليات داخلية صارمة ومستمرة لمساءلة كوادرها وقادتها عن أي تقصير تجاه الجماهير التي كانت تدفع الثمن الباهظ تحت نظام الفصل العنصري (الأبارتايد)، معتبرة أن شرعية النضال لا تلغي أبداً واجب الكفاءة والأمانة تجاه الناس.
دعونا نكون صريحين مع أنفسنا ونُقر بأن هناك خللاً في المشهد الفلسطيني الراهن... فأين يكمن؟
إن الإخفاق الفلسطيني المتراكم لا يعود فقط لبطش الاحتلال الإسرائيلي، بل يرتبط بأزمة هيكلية عميقة في بنية العمل الوطني والحزبي والسلطوي. إن غياب الحياة الديمقراطية المنتظمة وتعطل الانتخابات العامة لعقود، خلق حالة من التكلس السياسي وغياب التداول، وتحولت الأحزاب إلى هياكل مغلقة بعيدة عن قواعدها وجماهيرها.
فغياب الرقابة الشعبية والمؤسسية أدى إلى تحول الطبقة السياسية والسلطوية من أدوات تحرر إلى أدوات لمشروعها الخاص؛ تدافع عن مصالحها وتراكم مكتسباتها، مما جعل حياة المواطن الفلسطيني ومعيشته عرضة للخذلان والإهمال. غُيبت المؤسسات وأحبطت كل محاولات المحاسبة؛ فلا برلمان فاعل ولا رقابة على السلطة التنفيذية، وحتى النقابات والاتحادات أصبحت رهينة للحزبية والفئوية والمصالح السلطوية التي جعلت من هذه الأجسام هياكل شكلية تُستدعى وقت الحاجة للتطبيل والتزمير، وتُغيب عندما تنشئ رائحة الفساد الذي استشرى في الهياكل العامة.
إذا سلمنا بأن صندوق الانتخابات وحده لا يكفي في ظل تعطل المؤسسات، فإننا بحاجة إلى حزمة متكاملة من الأدوات والقوانين والآليات الشعبية والوطنية لمحاسبة كل مسؤول وقيادي عن مهمته. ليس فقط ما يجري في البنية الرسمية، بل نتحدث عن البنية التنظيمية أيضاً، التي جعلت من هذه القيادات متنفذة وصاحبة سلطة طاغية على التنظيم والناس.
إن إعادة الاعتبار للإنسان أولاً -باعتباره صاحب السلطة المطلقة- هي أساس العلاقة بين كل تنظيم ومؤسسة رسمية وغير رسمية. فالحساب مسألة وقت، ليس من باب الترف، بل من باب إحقاق الحق وإعطاء الحقوق لأهلها، ولأن قضيتنا أكبر من أن يلوثها حفنة لا تليق بنضال وتضحيات شعبنا... دعونا نحاسب أنفسنا قبل أن يحاسبنا التاريخ الذي يُكتب بالدم.