فاروق القدومي (أبو اللُطف)
نشر بتاريخ: 2026/08/23 (آخر تحديث: 2026/08/23 الساعة: 17:50)

أمس (الجمعة) مرت سنتان على وفاة القائد المؤسس فاروق القدومي في أغسطس 2024، عن عُمر يناهز الثالثة والتسعين. أسلم الرجل الروح بعد ثلاثين سنة من بدء سريان "أوسلو". وقد بدأت تلك الفترة، بمحاولته "الاعتصامية" في مكتبه في تونس، كرئيس للدائرة السياسية لمنظمة التحرير الفلسطينية (وزارة خارجية منظمة التحرير) لعل وعسى يعود الذاهبون الى مسار تلك التسوية إلى سيرتهم الأولى، كقادة لحركة تحرر فلسطينية. ظل الرجل يراهن على ضجرٍ من الخديعة، لا بد أن يتبدى، لدى الزعيم الشهيد الباسل ياسر عرفات، فيقلب الطاولة ويغادر برمزيته ومشروعيته. فقد كان على يقين بأن عرفات يخوض في الماء دون ابتلال، ولن ينال التحول إلى "أوسلو" من رؤيته ونقائه الثوري، مهاما أوحت صور اللقاءات والمحاولات بغير ذلك. وفي الوقت الذي جرى فيه تجريف حيثيات "وزارة خارجية منظمة التحرير" من كادرها. في تلك السنوات، بدأت بالتدريج تصفية مؤسسة "الخارجية" التاريخية لمنظمة التحرير، التي أسسها الراحل خالد الحسن بعد حرب 67 وتولى أعمالها بعدئذٍ الشهيد القائد محمد يوسف النجار (أبو يوسف) حتى تاريخ استشهاده في إبريل 1973. وكان المفترض أن تتشكل "الدائرة السياسية" ككل وزارة خارجية، من جزئين مترابطين (مركز يبتعث الديبلوماسيين ويتابعهم وشبكة سلك ديبلوماسي تكون مرجعيتها للمركز) فتغير الأمر بعد اتفاق إعلان المبادي "أوسلو" الذي لم يكن يسمح للسلطة بأداء مهام وزارة للخارجية، لكن "وزارة التخطيط والتعاون الدولي" مارست تلك المهام دون إعلان أو اتفاق رسمي.

استمر تهميش منظمة التحرير و"الدائرة السياسية" ثم حدثت مواجهة الزعيم ياسر عرفات إنقلاب العدو على "أوسلو"، بتفجير الانتفاضة الثانية، بشكليها الجماهيري والمسلح، وقد انتهت تلك الانتفاضة بتصفية الزعيم عرفات، وصعود محمود عباس الذي لم تكن توجهاته تروق للراحل فاروق القدومي (أبو اللطف) وجعلته يحاول استهداف ذلك الخط الجديد، مرات بالنقد الموضوعي ومرات بأي كلام. كان آنذاك، قد انتقل مركز السلطة والمال الى يد عباس، الذي تجاهل الراحل القدومي، مبقياً عليه ـ بالضرورة ـ في مكتبه إلى حين!

كان الصف القيادي، مؤسس حركة فتح، قد غاب عن المشهد، ولم يتبق منه إلا القدومي يُغرد وحده، ثم جرى التضييق عليه ولم يقف معه إلا بعض من حاول أن يجعل منهم خصوماً له (ولهذا الأمر تفاصيل) وجاءت المآلات بإغلاق مكتب "الدائرة السياسية" في تونس، ووضع بطاقة "المنظمة" في جيب عباس، للاستخدام عند اللزوم في محطات سياسية، واستُبدل في ترويسة أوراق السفارات، شعار منظمة التحرير بـ "نسر" السلطة، واختُزلت الكيانية السياسية للداخل والشتات، في مجرد "اسلطة" جعلتها غواية وأوهام السنوات الأولى بعد نشأتها، تستشعر احتمالات التطور والرسوخ والمضي في حمل مشروع الاستقلال والحرية. لكن رياح الأحداث لم تأت بما تشتهي سفينتها.

كان "أبو اللطف" رجلاً طيباً دمثاً، يختزن تجربة سياسية غنية، حزبية (في البعث في أطواره المدنية) وحركية في منظمة التحرير و"فتح" باعتباره أحد مؤسسيها وقادتها. وكان الراحل قبل سنتين، بعد 31 سنة من إقصائه عملياً، ودوداً شغوفاً بالتواصل مع الكادر. ففي كل مرة كنت أزور تونس، لم يكف عن السؤال عني يومياً: أين فلان؟ يقال له، مع صاحبه جمعة الناجي أخذه الى ذلك المكان أو ذاك. كان الراحل العزيز جمعة، ينشط من غير سياق لأي نشاط في تونس، ويحرك المياه الراكدة ويؤم المنتديات. غاب جمعة أحد سفراء منظمة التحرير الممتازين السابقين المتواضعين، وغاب بعده "أبو اللطف" الذي لطالما تحادثت معه في كل المسائل، في مكتبه وبيته، واستشهد القادة، ولم يتبق للحاضرين حتى الآن سوى الذكرى وأخذ العبرة.