إرهاب المستوطنين.. لعبة الحكومة والجيش في الضفة
نشر بتاريخ: 2026/08/31 (آخر تحديث: 2026/08/31 الساعة: 13:48)

تناولت وسائل الإعلام الإسرائيلية، نهاية الأسبوع الماضي، زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو المفاجئة إلى قيادة المنطقة الوسطى في الجيش الإسرائيلي في الضفة الغربية المحتلة، والتي جاءت في ظل تصاعد إرهاب واعتداءات المستوطنين ضد الفلسطينيين. وخلال الزيارة، عرض قائد المنطقة الوسطى، آفي بلوط، أمام نتنياهو معطيات ومقاطع مصورة حول أعمال عنف المستوطنين، قبل أن ينفد صبر رئيس الحكومة، وفق ما أوردته هيئة البث الإسرائيلية "كان"، ويظهر عدم رضاه عما عرضه الجيش.

تستحق الزيارة والتسريبات التي أعقبتها التوقف، ليس فقط بسبب ما تصفه وسائل الاعلام عن التباين بين المستوى السياسي والقيادة العسكرية، وإنما أيضاً بسبب الطريقة التي يجري بها تقديم قضية إرهاب المستوطنين في الخطاب الإسرائيلي.

في تحليله في صحيفة "هآرتس"، يحاول المحلل العسكري عاموس هرئيل التمييز بين موقف الجيش من تصاعد العنف في الضفة وبين موقف نتنياهو وحكومته. ويظهر الجيش، ولا سيما رئيس الأركان إيال زامير، بوصفه الطرف الذي يحذر من الانفلات ويحاول منع تدهور الوضع، مقابل حكومة تدفع باتجاه مواجهة أوسع لأسباب سياسية وانتخابية.

هذه القراءة حتى وإن إدعت عن وجود خلافات داخل المؤسسة الإسرائيلية، فهي تعمل إلى تبرئة الجيش من مسؤوليته عما يجري في الضفة. فالجيش الإسرائيلي ليس مراقباً محايداً لأعمال المستوطنين، بل القوة العسكرية التي تفرض سيطرتها على الضفة والمسؤولة عن الأمن فيها. وبالتالي، فإن الفصل الحاد بين "حكومة تحرّض وتحمي" و "جيش يحذّر" يخاطر بحجب سؤال أكثر أساسية: ما مسؤولية المؤسسة العسكرية عن البيئة التي تسمح باستمرار إرهاب المستوطنين وتصاعده؟

فالجيش الذي يسيطر على الأرض هو أداة رئيسية من أدوات السيطرة والاستيطان منذ البداية، وهذه حقيقة لا نقاش فيها. وهو ينتشر في القرى والبلدات الفلسطينية، ويمتلك القدرة على منع اعتداءات المستوطنين أو وقفها، ولذلك لا يمكن إعفاؤه من المسؤولية عن واقع يتكرر فيه إرهاب المستوطنين ويتوسع.

وتصوير الجيش باعتباره الطرف الذي يحاول كبح الحكومة لا يغيّر هذه الحقيقة، ولا يعفيه من مسؤوليته. فالجيش جزء من منظومة السيطرة الإسرائيلية على الضفة، وشريك في حماية المشروع الاستيطاني، وفي كثير من الحالات يوفر للمستوطنين الحماية والغطاء، أو يتعامل مع اعتداءاتهم بما يسمح باستمرارها. لذلك فإن الحديث عن خلاف بين الجيش والحكومة لا ينبغي أن يحجب حقيقة الشراكة بين العسكري والسياسي، وهي شراكة سمحت لإرهاب المستوطنين بأن يستمر ويتوسع.

وتؤكد تحذيرات مسؤولين كبار في الجيش الإسرائيلي أن استمرار إرهاب المستوطنين قد يقود إلى سيناريوهات أكثر خطورة، بينها هجوم كبير على الفلسطينيين على غرار إحراق منزل عائلة دوابشة في دوما عام 2015، أو ظهور مجموعات فلسطينية مسلحة ترد على اعتداءات المستوطنين. ويقول الجيش إنه يرصد تزايد مجموعات من الشبان الفلسطينيين الذين يتوجهون إلى نقاط الاحتكاك للدفاع عن قراهم، محذراً من أن غياب إنفاذ القانون وتصاعد عنف المستوطنين قد يدفع فلسطينيين غير منخرطين في المواجهات إلى حمل السلاح.

هذه المسألة تصبح أكثر أهمية عندما نضع ما يجري في سياقه السياسي. فالضفة الغربية تبدو، خلال الشهرين تقريباً المتبقيين حتى انتخابات الكنيست، الساحة الأكثر قابلية لأن تتحول إلى نقطة احتكاك بين الحسابات السياسية للحكومة والاعتبارات الأمنية للجيش.

وحسب هرئيل، فإن قواعد اللعبة في إيران ولبنان وقطاع غزة تتحدد إلى حد كبير وفقاً لموقف الرئيس الأميركي دونالد ترامب. وفي الوقت الراهن، لا يبدو أن ترامب يسعى إلى تصعيد أمني جديد في الشرق الأوسط قبل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأميركي، التي ستجرى بعد أسبوع من الانتخابات الإسرائيلية. ومع ذلك، يترك لنتنياهو هامشاً لتنفيذ عمليات عسكرية بمبادرة إسرائيلية، كما يظهر من الاستهدافات والاغتيالات المتكررة في قطاع غزة.

لكن توصيف ذلك بأنه مجرد "هامش" يبدو مخففاً لما يحدث فعلياً على الأرض. فما يجري في غزة، من قتل واستهداف متواصل في سياق حرب الإبادة، يعكس ضوءاً أخضر أميركياً واضحاً لنتنياهو، وليس مجرد هامش للمبادرة الإسرائيلية. والأكثر دلالة أن "مجلس السلام" يواصل وصف ما يجري بأنه خروقات من الطرفين" ، في مساواة مضللة بين أفعال إسرائيل، القوة القائمة بالاحتلال، والطرف الفلسطيني الواقع تحت الاحتلال.

أما الضفة الغربية فقصة مختلفة. فالعنف فيها، ولا سيما الهجمات التي يشنها المستوطنون الإسرائيليون ضد الفلسطينيين، يحظى باهتمام دولي واسع. ومع ذلك، تبدو الإدارة الأميركية، باستثناء عبارات الاستنكار المتكررة التي يصدرها السفير الأميركي في القدس، مايك هاكابي، غير راغبة في الوقت الحالي في التدخل بصورة حاسمة.

وفي الخلفية، تتزايد مخاوف المستوطنين، وممثلهم الأكثر فاعلية داخل الحكومة، وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، من أن تتغير القواعد بعد الانتخابات، وأن تتوقف حالة الهجوم الكاسح على الفلسطينيين عبر البناء والاستيطان والطرد والعنف، التي تشهدها الضفة منذ تشكيل الحكومة السابقة في ديسمبر/كانون الأول 2022، وإن كانت قد بدأت قبل ذلك واستمرت بأشكال مختلفة.

طلب نتنياهو، بحسب التقارير، عرض خطة للجيش في حال وقوع ما وصف بـ "انقلاب البنادق"، أي حدوث تصعيد أمني سريع تشارك فيه، للمرة الأولى منذ عملية "السور الواقي" عام 2002، أجهزة الأمن الفلسطينية بصورة مباشرة في القتال ضد الجيش الإسرائيلي. ورد زامير بأن الجيش لم يكن يعلم مسبقاً أن رئيس الحكومة يريد الاطلاع على هذه الخطة، وأنها ستُعرض عليه قريباً.

وفي الجيش، هناك من يشتبه في أن نتنياهو يمهّد الطريق لتدهور متعمد في الضفة يمكن أن يحوّل أجندة الانتخابات بعيداً عن الإخفاقات التي سمحت بوقوع هجوم 7 أكتوبر في بلدات غلاف غزة. ويستند هذا القلق إلى احتمال أن تؤدي الهجمات المتزايدة التي يشنها المستوطنون على القرى القريبة من البؤر الاستيطانية والمزارع في المناطق المصنفة "أ" و"ب" إلى دفع السلطة الفلسطينية إلى تسليح لجان الحماية المحلية، بحيث تفتح النار على الجيش أو المستوطنين في هجوم مقبل.

ووفقاً لهرئيل، كان أحد الأسباب الرئيسية التي حالت حتى الآن دون تحقق هذا السيناريو هو رغبة قيادة السلطة الفلسطينية في منع اندلاع مواجهة واسعة في الضفة، يمكن أن تؤثر في نتائج الانتخابات الإسرائيلية.

ومن خلال زيارته لقيادة المنطقة الوسطى والتسريبات التي أعقبتها، حقق نتنياهو عدة أهداف في آن واحد. فقد أدخل إلى الخطاب العام احتمال انهيار السلطة الفلسطينية، ورسخ صورته باعتباره رئيس الحكومة الذي يطالب الجيش بالاستعداد لأسوأ الاحتمالات، وهو ما أخفق في فعله عشية 7 أكتوبر، كما عمل على تقديم صورة إعلامية يظهر فيها رئيس الأركان باعتباره من لم يُنجز واجباته.

وفي المقابل، أشار زامير أمام القيادة العليا إلى أن الجيش في حالة "تأهب مرتفع في مواجهة حالة من الهشاشة متعددة الجبهات"، وأصدر تعليماته بوضع مقر قيادة الفرقة 98 في حالة تأهب، بحيث يمكنها، إذا اقتضت الحاجة، تولي المسؤولية عن نصف الضفة، بينما تواصل فرقة "يهودا والسامرة" مسؤوليتها عن النصف الآخر. كما سُرّب إلى وسائل الإعلام أن الجيش يدرس إلغاء إجازات جنود الاحتياط العاملين في الخدمة العملياتية خلال أعياد تشري.

ويبدو أن زامير يشك في نوايا الحكومة، في ظل نتائج استطلاعات الرأي غير المواتية لكتلة الائتلاف، ويريد تجنب جر الجيش إلى ورطات أمنية جديدة تقف وراءها اعتبارات سياسية. ورداً على تحركات رئيس الحكومة، يبعث رئيس الأركان برسالة مزدوجة: الجيش مستعد لكل سيناريو، لكنه في الوقت نفسه يلفت بصورة غير مباشرة انتباه الجمهور إلى المناورات السياسية التي يقوم بها الائتلاف.

وبصرف النظر عن تأثير مثل هذا التصعيد في الانتخابات، فإنه قد يمنح اليمين ذريعة لتبرير عملية عسكرية إسرائيلية تهدف إلى إسقاط حكم السلطة الفلسطينية، يعقبها احتلال مزيد من الأراضي وتهجير أعداد أكبر من السكان، على غرار ما فعلته إسرائيل في قطاع غزة خلال السنوات الأخيرة.

أما وسائل الإعلام الإسرائيلية، في معظمها، فلا تتابع تصاعد إرهاب المستوطنين في الضفة بوصفه ظاهرة متواصلة، ولا تحظى هذه الاعتداءات باهتمام واسع فيها إلا عندما تقع أحداث كبيرة أو استفزازات مدوية، مثل "نزهة المستوطنين" في قرية تل، التي انتهت بمقتل إسرائيليين اثنين وأربعة فلسطينيين الشهر الماضي، أو تحطيم عضو الكنيست تسفي سوكوت، من حزب "الصهيونية الدينية"، النصب التذكاري في قرية مادما الأسبوع الماضي.

لكن الواقع على الأرض يشير إلى أن تصعيد الهجمات ضد الفلسطينيين يجري بالفعل، ومن المرجح أن يزداد حدة كلما اقترب موعد الانتخابات. وهنا تحديداً لا يكفي النظر إلى المسألة باعتبارها صراعاً بين نتنياهو وجهاز عسكري يحاول كبح جماحه. فالجيش الإسرائيلي هو صاحب السيطرة الفعلية على الضفة، وهو المسؤول عن فرض الأمن فيها، ولذلك فإن السؤال لا يتعلق فقط بمن يدفع نحو التصعيد، وإنما أيضاً بمن يسمح باستمراره ومن يتحمل مسؤوليته.