دحلان في مرمى اليمين الإسرائيلي.. حين يصبح الحضور الإقليمي هدفاً للهروب من إخفاقات 7 أكتوبر
نشر بتاريخ: 2026/09/10 (آخر تحديث: 2026/09/11 الساعة: 00:56)

لم يعد الصراع السياسي في تل أبيب محصوراً بين الإئتلاف الحاكم والمعارضة التقليدية، بل تجاوز الحدود الجغرافية والسياسية ليضع القيادي الفلسطيني البارز محمد دحلان في صلب المعركة الانتخابية الإسرائيلية.

جاء هذا التحول الدراماتيكي كمحاولة يائسة من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو للهروب من تداعيات التسريبات التي كشفت عنها صحيفة "هآرتس" والتي أثبتت تلقيه تحذيرات مسبقة حول أحداث السابع من اكتوبر وتعمده تجاهلها.

يتجاوز السعار الانتخابي الذي يقوده نتنياهو وحزب الليكود حدود المناورات الحزبية التقليدية، ليلامس ذعر المؤسسة الإسرائيلية من صعود قيادة فلسطينية تمتلك رؤية استراتيجية وازنة.

جاء هذا التصعيد الممنهج ليعكس حالة الارتباك أمام تنامي الحضور الجماهيري والإقليمي والدولي لدحلان، وقدرته العالية على تقديم بدائل عملية لإصلاح النظام السياسي الفلسطيني وإدارة ملفات قطاع غزة في مرحلة "اليوم التالي"، وهو ما يشكل تهديداً مباشراً لمشروع اليمين الإسرائيلي المتطرف.

وفي مواجهة تراجع شعبيته واقتراب موعد انتخابات الكنيست، لجأ نتنياهو وحزب الليكود إلى استراتيجية "إعادة التأطير" السياسية عبر صناعة عدو يحفز فيه الناخبين وجمهور اليمين للهروب من المحاسبة.

حيث يسعى إلى تحويل القضية الجوهرية المتعلق بمسؤوليته المباشرة عن الإخفاق الأمني، إلى سردية تآمرية مضللة تزعم وجود تدخل أجنبي تقوده أطراف فلسطينية وإقليمية لإسقاط حكومة اليمين.

استهدف حزب الليكود ومكتب نتنياهو القيادي محمد دحلان بشكل مباشر محاولين ربطه بشبكة علاقات معقدة تضم دولة الإمارات، وصحيفة "هآرتس"،وشخصيات من اليسار الإسرائيلي وتهدف هذه المناورة إلى تحقيق عدة غايات انتخابية بحتة تتمثل في صناعة عدو خارجي وتحفيز قاعدة اليمين المتطرف عبر التخويف من تدخلات خارجية مزعومة في مسار الانتخابات الإسرائيلية وخلط الأوراق الإقليمية وتحويل المواقف الدبلوماسية المعتادة والدعوات العربية لوقف حرب الإبادة الجماعية إلى شبهة تدخل سياسي انتخابي بالاضافة إلى شيطنة الخصوم عبر دمج اسم دحلان والتيار الإصلاحي الديمقراطي في أتون الانقسام الداخلي لتشتيت انتباه الشارع الإسرائيلي عن محاكمات الفشل اضافة الى محاولات تشويه الرؤية الوطنية الفلسطينية الجديدة وإحباط مسار الحوار وجهود الإغاثة.

لم يكن استهداف نتنياهو لدحلان وليد اللحظة العابرة، بل يأتي امتداداً لمحاولات حثيثة سعت دوماً لإجهاض أي تحركات فلسطينية وعربية جادة لإنهاء المعاناة في غزة والتي كانت بصمات تيار الاصلاح الديمقراطي واضحة..

فمنذ تعثر خطط التهدئة السابقة بسبب عراقيل حكومة الاحتلال، وصولاً إلى الدور الفاعل الذي يقوده دحلان وتيار الإصلاح الديمقراطي وسلسلة الاجتماعات والحوارات الفلسطينية لدعم جهود لجنة التكنوقراط، وتنسيق الموقف مع مصر والأشقاء العرب لوقف حرب الإبادة في القطاع ووقف الجرائم في الضفة الغربية، سعت تل أبيب لعرقلة هذا المسار.

إن محاولة تشويه هذه الجهود الإنسانية والسياسية عبر فبركة "نظرية المؤامرة" هي محاولة بائسة لتفريغ أي رؤية وطنية جامعة من مضمونها.

وفي سابقة لافتة عكست الثقة والصلابة السياسية، جاء رد تيار الإصلاح الديمقراطي ليتعامل مع بيان الليكود من موقع "الند للند" ورفض تيار الإصلاح الانجرار إلى المربع الدفاعي، مؤكداً أن اتهامات نتنياهو ليست سوى فقاعات إعلامية تهدف إلى التغطية على مأزقه الهيكلي.

وركز الموقف الرسمي على عدة ثوابت حاسمة منها سقوط الوصاية عن غزة واعتبر ان الشأن الفلسطيني الداخلي خط أحمر يقرره الشعب وقواه الوطنية وحدها بعيداً عن بازار الانتخابات الإسرائيلية كما شدد التيار على استقلال القرار الفلسطيني وعدم اعتراف القيادة الفلسطينية بشرعية الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة التي تتسابق في إراقة الدم الفلسطيني، بغض النظر عن هويات قادتها وحمل البيان صيغة التجرد الواثق في تعرية كذب الرواية الإسرائيلية من خلال تجاهل الرد الشخصي لصالح إبقاء البوصلة مسلطة على جرائم الإبادة التي تقودها حكومة نتنياهو.

ويكمن السر الحقيقي خلف هذا التحريض المحموم في القلق الإسرائيلي المتزايد من الصعود الإقليمي والدولي والتأثير الدبلوماسي والجماهيري للقيادي محمد دحلان وحضوره المتنامي.

فمع تآكل الشرعية الدولية لدولة الاحتلال وتحولها إلى كيان منبوذ ومعزول بفعل حرب الإبادة، يبرز تيار الإصلاح الديمقراطي كقوة وطنية قادرة على بناء جسور تواصل فاعلة مع العواصم الإقليمية والدولية.

إن امتلاك دحلان لشبكة علاقات واسعة ورؤية شجاعة لإصلاح البيت الفلسطيني تشمل مختلف الفصائل في حوارات القاهرة، يعيد صياغة المشهد بطريقة تهدد أحلام اليمين الإسرائيلي في تكريس الانقسام وإبادة المشروع الوطني.

إن محاولات نتنياهو تحويل الأنظار عن فضائح التسريبات وتحميل دحلان مسؤولية مأزقه الانتخابي، تؤكد أن المشروع اليميني في إسرائيل بات مهزوماً أخلاقياً وسياسياً، عاجزاً عن مواجهة قيادة فلسطينية واثقة تؤسس لواقع ومستقبل جديد لا مكان فيه لغطرسة القوة أو أوهام الإخضاع .