فياض ودحلان: هل بدأ الزلزال الذي يخشاه أصحاب القرار؟
نشر بتاريخ: 2026/09/14 (آخر تحديث: 2026/09/15 الساعة: 01:05)

بين الشراكة والإقصاء… فلسطين أكبر من الأسماء

عودة اسمين مثل سلام فياض ومحمد دحلان إلى واجهة النقاش الفلسطيني لا تعني بالضرورة أنهما سيعودان إلى موقع ما، ولا تعني أن هناك اتفاقًا على برنامجهما. لكنها تعني شيئًا واحدًا على الأقل: أن السؤال القديم الجديد عاد يطرق الباب بقوة — هل يمكن بناء نظام فلسطيني على الإقصاء؟ وهل يكفي أن نختلف مع شخص حتى نلغيه من المشهد؟

يمكن أن تختلف مع فياض، ويمكن أن تنتقد دحلان، ويمكن أن ترفض تاريخ هذا أو ذاك. هذا حق طبيعي. لكن السؤال الأخطر ليس: مَن نحب ومَن نكره؟ السؤال هو: ماذا يحمل حضور هذين الاسمين لفلسطين القادمة؟

سلام فياض لم يقل كلامًا عاطفيًا. قال بوضوح إن حماس جزء من الواقع الفلسطيني، وإن القضاء عليها ليس حلًا، وإن أي حل فلسطيني جدي لا يمكن أن يُبنى على محاولة شطبها. وتحدث عن توسيع منظمة التحرير لتضم حماس والجهاد وبقية القوى، وعن حكومة كفاءات تدير غزة والضفة ضمن إطار وطني جامع. وفي محافل دولية، كان أكثر وضوحًا: فكرة القضاء على حماس غير واقعية، والطريق يبدأ بتوحيد الفلسطينيين وإعادة بناء المظلة السياسية.

هذا الكلام ليس كلامًا عابرًا. فياض ليس رجلًا يقول ما لا يقصده، ولا يتحدث من تحت الطاولة. قاله في واشنطن، وفي هارفارد، وفي مراكز ومؤسسات سياسية دولية. وحين يقول رجل بوزنه إن السلطة بتركيبتها الحالية صارت غير قابلة للإصلاح، وإن المطلوب إعادة هيكلة سياسية شاملة وليس ترقيعًا إداريًا، فهذا يعني أن الرجل يضع يده على نقطة حساسة: المشكلة ليست في غزة وحدها، ولا في الضفة وحدها، بل في شكل النظام الفلسطيني كله.

دحلان يأتي من زاوية مختلفة. هو لم يكتف بالكلام عن المصالحة، بل دخل في تفاهمات عملية مع حماس في غزة، وفي ملفات المصالحة المجتمعية، وتعويض عائلات ضحايا الانقسام. ثم توسعت التفاهمات إلى التعليم والصحة والطاقة والزراعة وتمويل المشاريع الصغيرة. وتيار الإصلاح نفسه تحدث عن شراكة سياسية مع القوى الوطنية والإسلامية، وعلى رأسها حماس والجهاد.

قد يقول قائل: هذه تفاهمات تكتيكية، وليست مشروعًا وطنيًا. وقد يقول آخر: دحلان جزء من المشكلة وليس الحل. وهذا نقاش مشروع. لكن ما لا يمكن إنكاره أن الرجل يملك شبكة علاقات وقنوات عربية وإقليمية، خصوصًا في مصر والخليج، ويملك حضورًا في ملفات كان كثيرون يفضلون تركها مغلقة.

الخوف من فياض ودحلان لا يأتي فقط من تاريخ كل واحد منهما. يأتي من كونهما يلتقيان في نقطة واحدة: الشراكة بدل الإقصاء. فياض تحدث عن الشراكة، ودحلان خاض تجربة منها على الأرض. وهذه النقطة بالذات هي ما يزعج منظومة الانقسام، لأنها تعني أن زمن «أنا وحدي أقرر» قد يكون في طريقه إلى الانتهاء.

الرجلان يملكان شبكات علاقات مختلفة ومتقاطعة: فياض مع واشنطن وأوروبا والمؤسسات الدولية وبعض العواصم العربية، ودحلان مع مصر والخليج وقنوات إقليمية. وهذا ليس تفصيلًا صغيرًا. بناء العلاقات استغرق سنوات، وهو إرث ليس سهلًا. لذلك فإن الحديث عنهما ليس مجرد عودة أسماء قديمة، بل قد يكون إعادة تركيب للمشهد الفلسطيني كله.

في المقابل، لا يمكن أن تمر هذه الدعوة إلى الشراكة دون أسئلة. أولها: مَن صنع الانقسام؟ ومن حماه؟ ومن استفاد منه؟ لا يمكن أن نطالب بشراكة وطنية ونحن نتجاوز عن كل شيء. الشراكة الحقيقية لا تعني تبييض التاريخ، ولا تعني أن يصبح كل من يملك علاقات خارجية هو المنقذ. الشراكة تعني أن الجميع تحت القانون، وأن المال العام تحت رقابة صارمة، وأن السلاح تحت قرار وطني واحد، وأن التعيين على أساس الكفاءة لا القرابة، وأن المسؤول مهما علا شأنه يخضع للمحاسبة.

كما أن الحديث عن انتخابات لا يمكن أن يكون شعارًا. الانتخابات حق، لكنها تحتاج ظروفًا وظهيرًا وطنيًا ومرجعية حقيقية. والمطلوب قبل ذلك أن نتفق على قواعد اللعبة: مَن يقرر؟ مَن يملك حق الفيتو؟ مَن أعطى نفسه حق إقصاء الفلسطيني المختلف؟ عشرون سنة من الانقسام جعلت كل فصيل يقرر باسم الشعب الفلسطيني دون الرجوع إليه، بحجة غياب التوافق والمرجعية. وهذه هي الكارثة.

الزلزال السياسي ليس صعود شخص أو سقوط آخر. الزلزال الحقيقي هو سقوط عقلية كاملة: أنا وحدي أقرر، وأنا وحدي أعيّن، وأنا وحدي أملك الشرعية، وأنا وحدي أحدد مَن هو الفلسطيني ومَن ليس فلسطينيًا. هذه العقلية هي التي أوصلتنا إلى هنا.

فلسطين أكبر من فتح، وأكبر من حماس، وأكبر من دحلان، وأكبر من فياض، وأكبر من عباس، وأكبر من أي فصيل أو شخص. واللي عنده مشروع وطني يجمع الفلسطينيين، فليتفضل. واللي عنده برنامج أفضل، فليطرحه. واللي بدّه انتخابات، فليذهب إليها ويرضى بنتائجها. واللي بدّه إصلاح، فليبدأ بنفسه.

قد يكون القادم فياض ودحلان، وقد لا يكون. لكن الأهم من الرجلين هو السؤال: ماذا لو كان القادم فعلًا زمن الشراكة؟ ماذا لو جلس فياض ودحلان وحماس وفتح والجهاد وبقية الفصائل والمستقلون حول طاولة واحدة؟ ماذا لو أُعيد بناء مظلة فلسطينية تتسع للجميع؟ وماذا لو صار القرار الفلسطيني ملكًا للفلسطينيين جميعًا؟

إذا كان في أحد خائف من هذا البيت، فليقل للناس بصراحة: شو اللي بخاف منه؟ من الوحدة؟ أم من اليوم اللي ما عاد فيه أحد قادر يقول: أنا وحدي بقرر؟