بين شمشون وشمشون
نشر بتاريخ: 2026/10/03 (آخر تحديث: 2026/10/03 الساعة: 22:18)

يقترب ميعاد محدد، لبدء عملية انتخابية فلسطينية ما تزال افتراضاً. وفي موازاة خط هذا الاقتراب، سُمع حديث عن محاولة عقد اجتماع في القاهرة، يرعاه المصريون، لجمع أطراف فلسطينية متكارهة، يُتوقع أن تشارك في انتخابات مزمعة. وفي حال انعقاد هكذا اجتماع، ربما يكون كسابقيه المنعقدين على مر نحو عشرين سنة، تحت عنوان "حوارات المصالحة". فوجه التماثل بين كل تلك الاجتماعات أنها كانت وظلت فاقدة للشرط الأساس الذي يجعلها "حوارات". فلا حوار بغير مناقشة أفكار، ودون أن يكون لمناقسة الخطط، موقعها المركزي في السجال بالحسابات العقلانية البحتة، وبدون طرح مسألة السياسة الاستراتيجية المتصلة بالشؤون الوطنية العامة، وبالعدالة، وبحق الشعب في أن يُفوّض. فهذه كلها، وغيرها، هي أهمُّ ما تُبنى عليه المجتمعات!

بعد أن سئمت الأطراف الوسيطة، ومن بينها الطرف المصري، عُقم "حوارات المصالحة" عديمة الفائدة والجدوى؛ أصبح المرتجى في هذه المرحلة الحرجة وقف التفسخ المُطّرِد، لصالح موقف فلسطيني جامع يُعتد به. ولئن كان هذا المُرتجى، هو الخيار الوحيد للتوصل إلى موقف جامع، فقد بات شرطاً لأي انعقاد، أن تدخل اليه حركة "فتح" موحدة، ليس على مستوى انقسامها كموالاة و"تيار" وحسب، وإنما كذلك على مستوى داخل هذه "الفتح" التي بدأت تُسمع فيه أصوات متباينة.

وطالما أن الفلسطينيين مختلفون عن سواهم من حيث خلو ساحتهم من الطوائف والأعراق وثقافاتها الفرعية، وأن عيوبهم تتعلق حصراً بالعجز عن صياغة سياسات استراتيجية مُلزمة، تأخذ معطيات الواقع بعين الاعتبار؛ فإن الهدف والمطلوب، هو ضمان ألا تؤدي حرب الإبادة التي ما تزال تُشن على شعبنا، الى بعثرة المنحى الاجتماعي للسياسة، أو بعثرة الوجهة الوطنية العامة ومضمونها حركة التحرر، وتحويل المجتمع الفلسطيني إلى أشتات وبؤر وجماعات ذات نزعات، يشتغل الاحتلال على احتوائها.

هنا، تنشأ لدى الوسيط القريب جغرافياً واجتماعياً، مصلحة جوهرية في منع الانهيار. وبكل أسف كان اللاعب الأساسي الذي يمكنه أن يحسم أمر ما يسمى "المصالحة" هو نفسه الشغوف بمشهد الانهيار المتدرج لكل شيء على مستوى السياسة والاجتماع والكيان الوطني. فاللاعب ظل يرى في ذلك مأمنه، بل يرى فيه استمراريته وأحلام توريثه. ولو لم تكن هذه هي الحال، لما وقعت الطامة الكبرى، عندما انفرد الطرف الفلسطيني الآخر، بقرار "الهجوم" بعد تحذيرات من ضائقة الحصار وانسداد الأفق واستمرار القتل البطيء. وهذا ما استحث حرب الإبادة الشاملة. ففي بلادنا نفسها، بل في غزة نفسها، وُلدت حكاية "شمشون" الصاخبة العجيبة، التي أصبحت في عالم التلقين العربي الساذج، كأنها رواية بطولية لجبار من بيننا، وقرأها أطفالنا، علماً بأن المذكور شمشون بن منوح، محض شخصية عبرية أسطورية توراتية، قيل إنها عاشت في القرن الحادي عشر قبل الميلاد، وقد اخترعها الأحبار وحرصوا على تثبيتها في سِفر "القضاة"، لتسميد السردية اليهودية.

ففي غزة، كما افترضت مخيلتهم ، نشأت الظاهرة الشمشونية ونشأت معها فكرة "عليَّ وعلى أعدائي" وأصبح "البطل" رفاتاً تحت الركام، تتأسس على ذكراه مدعاة التعاطف مع "أحفاده". أما نحن، فلا أحد في العالمين، يمكن أن يتعاطف مع شمشوننا!