التوافق على تجاهل المسؤولية!
نشر بتاريخ: 2026/10/06 (آخر تحديث: 2026/10/06 الساعة: 14:47)

المشترك بين التنظيمات، بحسب البيانات والتصريحات، هو عقد لقاءات حوارية ثنائية ومشتركة هدفها توحيد الصف الفلسطيني وإنهاء الانقسام والتوافق على برنامج وطني للمرحلة، وتجديد الشرعيات عبر الانتخاب والتوافق. المشترك غير المصرح به هو تجاهل دور العامل الفلسطيني في الكارثة التي أحلت بـ2.3 مليون فلسطيني في قطاع غزة، والأخطاء الكبيرة التي ارتكبت وتسببت في حرب إبادة بقطاع غزة وحرب تطهير عرقي وتصفية في الضفة الغربية. التجاهل يشبه البناء فوق دمار دون إزالة الأنقاض ودون وضع أساسات قوية، والأهم دون بناء ثقة مع الذين دفعوا أثماناً تفوق قدرة البشر على التحمل.

صحيح أن التنظيمات السياسية على اختلاف ألوان الطيف السياسي تملك إرثاً في تجاهل التقييم والتعرّف على الأخطاء الكبيرة والصغيرة ومحاسبة المسؤولين واستخلاص الدروس والعبر، إلا أن قفز التنظيمات عن أخطر كارثة لحقت بشعبها، وما زالت تهدد وجوده، يُعد سابقة متناقضة مع حق البشر في الحياة، فضلاً عن حقهم في تقرير مصيرهم. منظومة كاملة من تجاهل السياسات الخاطئة بعد أن انتقل المركز السياسي التمثيلي إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة بموجب اتفاق أوسلو.

السكوت عن انقلاب «حماس»، وحسم السيطرة بالقوة المقترنة بارتكاب جرائم بشعة، جعل كل حديث عن الديمقراطية والحوار الديمقراطي مسخرة، والسكوت عن عمليات تفجير تستهدف مدنيين إسرائيليين عمداً ومع سابق إصرار كان بطلها «حماس» و»الجهاد» والتحقت بهما تنظيمات أخرى. وقد استخدمت هذه العمليات في دمج النضال الفلسطيني بالإرهاب، وفي إحياء الحل الفاشي الإسرائيلي للصراع.

كما أن عدم التوقف عند نتائج الانتفاضة الثانية «العسكرية» والأثمان السياسية والمادية والبشرية، بما في ذلك خسارة البنية التحتية و10% من مساحة الضفة؛ بعد بناء جدار الفصل العنصري، واستمرار التغني بها حتى اليوم، وعدم استخلاص دروسها، أدى إلى الانتقال إلى أخطاء كبيرة أخرى لاحقة. فرغم فشل المقاومة المسلحة عبر الحدود العربية، والذي بلغ نهايته بعد الغزو الإسرائيلي لجنوب لبنان وبيروت، ورغم فشل المقاومة المسلحة داخل قطاع غزة والضفة الغربية في سبعينيات القرن الماضي، رغم ذلك أعيد إحياء المقاومة المسلحة من داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة باعتبارها الشكل الرئيس للنضال، استناداً إلى بنية الإنفاق تحت الأرض في قطاع غزة، واتخذت شكل حرب مواجهة غير متكافئة بالمطلق، ليس بسبب التفوق العسكري الإسرائيلي الهائل وحسب، بل ولأن دولة الاحتلال تسيطر على كل شيء وتتحكم في حياة المواطنين وتمارس حصاراً خانقاً.

وكانت نتائج المواجهات الأربعة تنتهي بخسارة البنية التحتية للقطاع وبخسائر بشرية كبيرة مقابل خسائر إسرائيلية محدودة جداً وتتوقف بهدنة بشروط إسرائيلية وبجهود الوسطاء. وجرى نقل تجربة مقاومة غزة إلى مخيمات شمال الضفة والبلدة القديمة في نابلس وبعض القرى، وكانت النتيجة تصفية المقاتلين وتدمير المخيمات وتهجير وإعادة احتلال.

ما كان يعوز أي تفكير عقلاني اكتشاف ومعرفة أن الشكل المسلح للنضال يفتقد إلى مقومات غير متوفرة في القطاع والضفة. وكان من الخطأ اعتماد المقاومة المسلحة شكلاً رئيساً، وكان من الخطأ أكثر اعتماد حرب مواجهة مع جيش متفوق مقابل إمكانات بدائية. ثم جاء هجوم 7 أكتوبر في صورة إعلان حرب شاملة ضد دولة ومجتمع مسكونَين بعقدة الهولوكوست وبعقدة الأمن والتفوّق. لتأتي النتائج مأساوية فوق قدرة أي شعب على الاحتمال.

ومن الأخطاء السياسية الكبيرة إهدار فرصة بناء مؤسسات مهنية ذات اختصاص، وبناء جهاز إداري حداثي، بما في ذلك السلك الدبلوماسي، ووضعها في خدمة قطاعات المجتمع المختلفة في الداخل وفي الخارج، وإهدار فرصة بناء نظام تعليم حداثي يزيل القيود عن العقول ويشكل رافعة لتطور المجتمع، وإهدار وضع منظومة قوانين متناغمة مع حقوق الإنسان وحرية التعبير والمساواة والعدالة، وإهدار ضرورة وجود مؤسسة ضمان اجتماعي مستقلة. كان البديل هو تكريس بنية مؤسساتية بيروقراطية ترتكز على نظام المحاصصة – الكوتا- والتنظيم المهيمن وسيادة علاقات الولاء والمحسوبية والمصالح الخاصة والفئوية والزبائنية. هذا الوضع أدى إلى خلخلة العلاقة مع المواطنين وغياب عناصر العقد الاجتماعي المفترضة بين السلطة والمجتمع.

إزاء ذلك تتعامل تنظيمات يسارية ونخب مع هذا الخلل البنيوي من منظور معارضة اتفاق أوسلو، تلك المعارضة التي لم تدخل في الجوهر وبقيت تدور في فلك التثبيت على معارضة الاتفاق وتطبيقاته الإسرائيلية المجحفة، دون التوقف عند التطبيق الفلسطيني المختل، وتقاطع أطراف فلسطينية مع اليمين الديني القومي الإسرائيلي في إسقاط أوسلو والمقصود هنا، كل العناصر التي كان يمكن تحويلها إلى رافعة لإنهاء الاحتلال، من خلال تطوير مناعة المجتمع الفلسطيني وإشراكه في البناء وفي مقاومة السيطرة والنهب، ومن خلال اكتساب زخم دولي وعربي منظم داعم لتطور الكيانية الفلسطينية وتقرير المصير، ومن خلال تطوير تحالف مع قوى إسرائيلية مناهضة للاحتلال وأطماعه الكولونيالية وداعمة لحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره.

خلف الأخطاء والتواطؤ معها يقف البند الأهم، وهو الخواء الفكري السياسي العلماني اليساري، الذي أتاح سيادة فكر وثقافة الإسلام السياسي داخل المجتمع وداخل النخب وأتاح نشوء تحولات رجعية أعادت المجتمع والتجمعات الفلسطينية إلى التعصب الديني والتمييز بين الأديان، واستبدال الهوية الوطنية الجامعة بهوية دينية، وصعود العلاقات العشائرية والعائلية على حساب القانون المدني والمحاكم، والتمييز ضد نصف المجتمع وممارسة أشكال من الظلم الاجتماعي في مجال الإرث والعمل والزواج والطلاق والعقوبات، والتحول من سلطة مدنية إلى سلطة دينية في قطاع غزة، ومقاومة كل محاولة لتطوير القانون الفلسطيني وقبول الاتفاقات والقوانين الدولية «كاتفاقية سيداو» التي تناهض كل أشكال التمييز ضد المرأة واتفاقية حقوق الطفل، ومحاولات تحويل الصراع من صراع وطني ضد الاحتلال إلى صراع ديني.

وتندرج سياسة مناهضة الحداثة ضمن قائمة التحولات الرجعية، كما تندرج سياسة إغلاق الجسور أو غياب المبادرات مع قوى إسرائيلية وجاليات يهودية، وتقديم أو تأييد تصورات لحل المسألة اليهودية، والتصدي للسياسة الصهيونية في سلخ المنتمين للديانة اليهودية عن مجتمعاتهم وثقافتهم وتراثهم، وفي تقديم حل حصري عنصري للمسألة اليهودية.

هذه السياسة تندرج في بند خواء الفكر. لم يشتبك اليسار والعلمانيون والمتنورون مع الفكر التعصبي الذي قاد إلى تحولات رجعية خطيرة. لم يدافعوا عن تراثهم وتراث الحركة الوطنية والمجتمع تحت مبرر مقاومة الاحتلال. وبالمثل فالذين لم يدافعوا عن حق مجتمعهم في مواكبة الحداثة والتطور، لم يحاولوا منع المقامرة بمصيرهم عبر زجهم في حرب وجودية، ولم يحاولوا وقف الحرب ونزع الذرائع على امتداد عامين احتكرت خلالهما حركة «حماس» قرار الاستمرار في حرب معروفة النتائج.

بعد كل هذا يأتون بمواقف تعيد إنتاج الأخطاء والأزمات ولا تساعد في الخروج من المحنة. وفاق وتوافق وتدوير زوايا والبقاء في حلقة مفرغة.