شرق أوسط على جمر النار
نشر بتاريخ: 2026/10/09 (آخر تحديث: 2026/10/09 الساعة: 16:59)

كل من اعتقد أنه يمكن حسم الحرب على إيران خلال أيام أو أسابيع أو أشهر، تبين أنه كان واهماً، وكل من يعتقد أن الحرب في الشرق الأوسط قاب قوسين أو أدنى من الانتهاء أو الحسم، فهو واهم أيضاً، ليس لأن الرئيس الأميركي «الجعجاع» كثيراً ما ادعى وأعلن ما لم يستطع فعله وتحقيقه، من سحق إيران أو تدميرها بهدف استسلامها وحسب، ولكن لسبب آخر، وهو طالما أن بنيامين نتنياهو وائتلافه الفاشي في الحكم سيظل يواصل الحرب لأنه لم يحقق أهدافه الأساسية منها، وكذلك هو حال شريكه فيها دونالد ترامب، أما إيران وحلفاؤها، فستظل تقارعهما، ولا تكتفي بالصمود فقط، لأنه ليس أمامها خيار آخر، بعد أن ألصقت الحرب ظهرها بالحائط، ولا تبقي أمامها سوى خيار الاستسلام أو مواصلة الحرب، وهي كانت مستعدة منذ البداية لحل وسط، لحل سياسي، والأهم مما يجعل خيار الحرب قائماً، ليس ما يتعلق بظروف الطرفين فقط، بل لأن الحرب أولاً وأخيراً هي تعبير عن صراع إقليمي/كوني.

والصراع الكوني الذي يحدث في الشرق الأوسط، ليس الحلقة الأولى، فالحلقة الأولى ظهرت على الحدود بين روسيا وأوكرانيا، قبل عامين من اندلاع الحرب الشرق أوسطية، ومع أنها حرب برية بالدرجة الأولى، تمخض عنها منذ البداية احتلال الجيش الروسي لنحو خُمس الأرض الأوكرانية، ورغم فارق القوة أيضاً بين الجيشين المتحاربَين، إلا أن حسم الحرب لم يحدث لا في العام الأول ولا الثاني ولا يبدو أنه يلوح في الأفق قريباً، ومن يعد بالذاكرة قليلاً للأيام الأولى لحرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة، سيجد أنها كانت الحلقة الأولى في الحرب الإقليمية المستعرة حالياً، ولم تكن قد فتحت جبهات الإسناد بعد، حين تفهم الغرب دوافع إسرائيل لشن حرب محدودة كردّ فعل على عملية «طوفان الأقصى»، ومع بدء إعلان تقديرات المستويَين العسكري والسياسي الإسرائيليَّين عن الفترة التي ستستمر فيها الحرب، بدأت الخلافات تظهر بين تلك المستويات في إسرائيل أولاً، وبين إسرائيل وإدارة الرئيس الأميركي السابق جو بايدن من جهة ثانية، وأول من تحدث عن شهور، بل ربما عام إلى عام ونصف العام، لتحقيق مهمة الجيش الإسرائيلي الأمنية في قطاع غزة، كان يوآف غالانت، وزير الحرب الإسرائيلي في ذلك الحين، عند ذلك أبدى الأميركيون دهشتهم، لأن ذلك يلقي عبئاً ثقيلاً على كاهلهم، لأنهم مطالبون بتغطية سياسية على المستوى العالمي لحرب إبادة طوال تلك المدة.

ولأن للحرب أهدافاً سياسية أبعد من الأهداف الأمنية التي تجعل منها حرباً محدودة جغرافياً في قطاع غزة، ومحدودة زمنياً لمدة أشهر، تقترب من العام، أكثر أو أقل قليلاً، فإن الحرب تدحرجت أولاً لتفتح جبهات عدة، كلها محيطة بإسرائيل، وليس صحيحاً أنها فتحت بالضد من رغبتها، لأنها أولاً كانت تعرف ردود فعل قوى المقاومة الإقليمية، ولأنها واصلت إغلاق باب عقد الصفقة التي كان من شأنها أن توقف الحرب مبكراً، رغم المطالبة الداخلية الإسرائيلية، وكذلك الرغبة الأميركية المدفوعة باستحقاق الانتخابات الرئاسية عام 2024، وأبلغ دليل على ما نقول، هو إقدام إسرائيل على تنفيذ عمليات تطهير عرقي بالشراكة مع جماعات المستوطنين الإرهابية في الضفة الفلسطينية، حتى تربط هدفها بتهجير سكان قطاع غزة، مع تهجير متزامن لسكان الضفة، لتنفيذ قرار ضم أرض دولة فلسطين لدولة إسرائيل، كخطوة أولى ضرورية لمتابعة تنفيذ مشروع إسرائيل الكبرى.

وهناك دليل دامغ آخر على ما نقوله هو أنه حتى مع دخول ترامب البيت الأبيض مطلع العام 2025، ومع ضغطه منذ البداية لعقد صفقة إطلاق المحتجزين مقابل وقف الحرب، ومن ثم منحه نتنياهو نحو عام للتوصل لاتفاقيتَي وقف الحرب على جبهتَي لبنان وغزة، بعد تنفيذ معظم الأهداف الأمنية فيهما، والذي ينعكس في إعلانات القادة العسكريين والسياسيين الإسرائيليين، عن تحقيق جيشهم إنجازات عسكرية واضحة، لكن لم تتم ترجمتها سياسياً، إضافة لما يقوله الواقع، من تدمير شبه تام لقطاع غزة، وقتل وجرح 10% من سكانه، وقتل معظم قيادات «حماس» العسكرية والسياسية في القطاع، وما يقارب ذلك في جنوب لبنان و»حزب الله»، إلا أن إسرائيل أصرت على متابعة الحرب وعدم إطفاء نيرانها لا في غزة ولا في لبنان، بل وقامت بإشعالها في المرجل الأهم، وهو إيران.

والحرب الإسرائيلية على إيران، تدرجت وذلك لتجاوز الممانعة التاريخية الأميركية لشن الحرب على إيران، نظراً لما تنطوي عليه من خطر إشعال حرب إقليمية، لن تقف إزاءها القوى العظمى مكتوفة الأيدي، بل إن أميركا نفسها تخشى التورط فيها، في تكرار لسابقات ما زالت تؤرق الذاكرة الأميركية، فقد بدأت في حزيران 2025، بموافقة أميركية واستمرت 12 يوماً، وتوقفت بمشاركة أميركية مباشرة على مواقع المفاعلات النووية الإيرانية، وحينها قال كل من ترامب ونتنياهو: إنهما قد دمرا البرنامج النووي الإيراني، ومعظم القوة الصاروخية الإيرانية، وكانا من قبل قد حققا هدف تحطيم أهم «أذرع إيران» في لبنان وغزة، ما يعني أن الهدف الأمني قد تحقق بنسبة كبيرة جداً، فلماذا لم تتوقف الحرب بعد حزيران 2025؟

هناك أسباب مباشرة أو تفسيرات من مثل أن وقف الحرب يؤدي إلى سقوط نتنياهو، ولكن ذلك ليس صحيحاً، فحتى استطلاعات الرأي الإسرائيلية في ذلك الوقت لم تكن تظهر عجز نتنياهو عن تشكيل حكومة بعد الانتخابات فضلاً عن هزيمته فيها، كذلك لم يكن عنصر التجنيد الخاص بالحريديم ضاغطاً كما هو حاله الآن، بل إن منافس نتنياهو والليكود الأول حالياً، غادي آيزنكوت وحزبه لم يكونا قد ظهرا على المسرح السياسي بعد كمنافسَين، كذلك لم يكن المنافس الآخر، نفتالي بينيت، قد ظهر، وذلك قبل أن يتوحد مع رئيس المعارضة الرسمي، يائير لابيد وحزبه ليشكلا سوياً القائمة الانتخابية «معاً».

إذاً هناك أسباب سياسية غير الأمنية أولاً، لاستمرار الحرب الإقليمية، خاصة أنها اشتعلت كمبادرة من قبل إسرائيل، المحكومة بقوى سياسية فاشية تتطلع لإقامة دولة استعمارية في الشرق الأوسط، وثانياً لأن الظروف قد اكتملت داخل إسرائيل مع وصول أحزاب المستوطنين للحكم، بالشراكة مع الليكود اليميني الذي صار متطرفاً معهم أكثر من ذي قبل، ولم تكن إسرائيل جاهزة قبل ثلاثة عقود لشن حرب إقليمية من أجل تحقيق هدف إسرائيل الكبرى، ومع كونها صارت جاهزة الآن، فهي ترى أن اللحظة الحالية هي فرصتها، ليست المناسبة فقط، بل والأخيرة، لعل وعسى تستطيع تحقيق هدفها قبل فوات الأوان، وفوات الأوان يعني أفول شمس النظام العالمي الأميركي، بما يتضمنه من انسحاب أميركي عسكري وسياسي من الشرق الأوسط، المهم دائماً وأبداً للنظام العالمي بحكم موقعه وما يحتويه من مصادر للطاقة العالمية، سواء في الشرق أو الغرب.

وإسرائيل بعد تحطيم دول الطرق العربية وإخراجها من إطار أو نطاق «الخدمة المعادية» أو المهددة لوجودها، وذلك منذ انتهاء الحرب الباردة، وبعد تحطيم العراق عام 2003، وتحطيم سورية عام 2011، ومع التحول الداخلي نحو اليمين المتطرف بما يحمله من أيديولوجيا لاهوتية، ومن تطلعات استعمارية، لم تعد ترى وحسب أنه يمكن تحقيق هدف إسرائيل الكبرى، بل حتى من يرى ذلك كمغامرة، لا يجد غضاضة في خوضها، ما دام «رأس المال» المتمثل بالدولة الناجمة عن قرار التقسيم قائم وغير مهدد، ومحفوظ.

لذلك لا بد من الانتباه إلى أمرين معاً، وهما أن هناك إجماعاً داخلياً إسرائيلياً على متابعة الحرب بهذه الطريقة أو تلك، والاختلافات التي رافقتها، فضلاً عن كونها ضمن إطار التنافس على السلطة، كانت في التفاصيل، من مثل إيلاء أهمية لحياة المحتجزين الإسرائيليين، أما بخصوص إيران فهناك إجماع على الحرب ضدها، ولا أحد يقول ببديل التوصل لاتفاق يؤكد الاستخدام السلمي للبرنامج النووي، كما كان اتفاق 5+1.

والأمر الثاني، هو أنه مع دخول إسرائيل مزاد الانتخابات، لا تكتفي القوائم الانتخابية بالتوافق على الموقف العنصري المتمثل بمحاولة «شطب» القوائم العربية، بل لا أحد منها يتحدث عن حل سياسي أو وسط، ولا حتى عن الالتزام بما سبق وأن وقّعته إسرائيل من اتفاقيات مع الجانب الفلسطيني، ولا حتى من التزام لا بالقوانين الدولية، ولا بالقرارات القضائية، لا أحد يدق جدران الخزان، محذراً مما سقطت فيه إسرائيل من حفرة النبذ الدولية.

ولأن النظام العالمي لا يتنقل من شكل لآخر بانقلاب أو بين عشية وضحاها، بل ينضج على نار هادئة، ولكن مشتعلة، وما دامت إسرائيل وأميركا لا تؤمنان لا بالشرائع الدولية، ولا بروح التنافس الرياضي، فإن الحرب ستظل مشتعلة إلى أن تنهزما، وذلك انسحابهما إلى حدودهما.