عناق المأزومين
نشر بتاريخ: 2026/10/22 (آخر تحديث: 2026/10/22 الساعة: 16:20)

بعد تردد أصاب المراقبين بالحيرة فاجأ ترامب الجميع بتغريدة يدعم فيها رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، باعتباره رئيساً محارباً عظيماً وشريكاً أعظم من أجل السلام، ويمنحه التأييد الكامل والمطلق في سباقه القادم لإعادة انتخابه رئيساً للوزراء.

هكذا، وبصورة مباشرة وفجة كعادته يحسم ترامب الجدل بشأن توأم روحه نتنياهو، المطلوب للعدالة الدولية، والذي خاض معه حروباً، ألحقت أضراراً بليغة بالمصالح الأميركية في منطقة الشرق الأوسط، هي حروب من أجل السلام كما يدعي ترامب، وهو بذلك يكون قد تبنى مقولة نتنياهو الأثيرة، التي يدعي فيها أنه يرغب في تحقيق السلام ولكن بالقوة الغاشمة وليس بغيرها، وكأنه يحدد موقفاً مسبقاً تجاه من يمكن أن يشكل الحكومة غير نتنياهو، والذي سيكون من وجهة نظر ترامب خياراً خاطئاً، ولكن لماذا يجازف ترامب الذي تشهد بلاده انتخابات نصفية للكونغرس بعد أسبوع واحد من الانتخابات الإسرائيلية وهو القائل إن من يمتدح إسرائيل في هذا الزمان يخسر عكس ما كان عليه الحال قبل سنوات قليلة؟.

الرجلان يعانيان من إمكانية الخسارة في الانتخابات، ذلك أن استطلاعات الرأي التي تكاد تكون يومية في إسرائيل لا تشير إلى إمكانية فوز نتنياهو وفريقه في تشكيل الحكومة.

لا بل إن آخر الاستطلاعات بعد تغريدة ترامب، تشير إلى تراجع شعبية نتنياهو.

فهل أراد ترامب أن يرجح خسارة شريكه خصوصاً أن الاستطلاعات كانت تشير أيضاً إلى تراجع الثقة بترامب.

ثمة ثلاثة أسباب تدفع ترامب لمثل هذا التدخل الفظ والمكشوف في الانتخابات الإسرائيلية.

أول هذه الأسباب يكمن في محاولة ترامب استرضاء اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة، لدعم مرشحي الحزب الجمهوري سواء بالأموال أو بالدعاية وعبر وسائل الإعلام.

وفي الوقت ذاته يسعى لتجنيد إمكانية اللوبي الصهيوني في تشويه صورة مرشحي الحزب الديمقراطي، والتأثير على أصوات الناخبين وذلك في إطار تبادل المنافع.

ثاني هذه الأسباب أنه لا يزال يحتاج لدور إسرائيل في شن الحروب وخلط الأوراق، واستخدامها كعصا غليظة لإخافة أهل المنطقة.

في تغريدته يقول إنه يحتاج نتنياهو لإكمال المهمة، وقد أكد رئيس دولة الاحتلال أنه جاهز لإكمال المهمة والمقصود ما يتعلق بالحرب على إيران والبرنامج النووي.

ويعترف ترامب بعظمة لسانه أنه لا يميل إلى القيام بالمهمة وحده في حال غياب نتنياهو، مع أنه يعرف تماماً أن من سيأتي بعد نتنياهو، يعمل وفق البرنامج السياسي والأمني لرئيس الحكومة الحالي.

ثالث هذه الأسباب: لا بد أن ترامب الذي يدرك أنه لا يستطيع إنقاذ سفينة شريكه الغارقة، قد وقع تحت طائلة عملية ابتزاز يمارسها نتنياهو.

أليس غريباً أن يختلف نائب الرئيس جي دي فانس مع الرئيس ترامب بشأن نتنياهو وحكومته التي تعرضت لانتقادات حادة من قبل فانس.

حين سئل فانس عن موقفه من الانتخابات الإسرائيلية بعد تغريدة ترامب قال إنه يدعم المرشحين الأميركيين ويركز جهده على ذلك في ظل انتخابات التجديد النصفي. وأضاف إنه لا يتدخل في الانتخابات الإسرائيلية، وكأنه بذلك يغمز من قناة الرئيس ترامب.

فانس كان ذهب إلى بودابست لدعم فيكتور أوربان، الذي يحظى بدعم الرئيس الأميركي وإدارته، وكان ذلك مصدر شؤم على أوربان الذي سقط في الانتخابات بالرغم من الدعم الأميركي المكشوف.

لنا أن نتخيل رد فعل نتنياهو على تغريدة ترامب، فلقد شكره على الدعم الهائل الذي قدمه لإسرائيل، وعلى العمل المشترك، معتبراً تلك الشراكة رصيداً هائلاً لإسرائيل.

هكذا يتعامل ترامب بفوقية مع إسرائيل وحكومتها، التي لم تسقط بعد وظيفتها في إخضاع دول الشرق الأوسط ونهب ثرواتها، ولقد سبق له أن أهدر ماء وجهه أكثر من مرة، حين طلب من الرئيس هرتسوغ إصدار عفو عن نتنياهو لكنه لم يستجب.

ليست المرة الأولى التي يتهم فيها أفيغدور ليبرمان الرئيس ترامب بأنه يسعى لإدارة إسرائيل من خلال نتنياهو، الذي يصفه ليبرمان بأنه دمية في يد الرئيس الأميركي.

آيزنكوت رئيس كتلة يشار المرشحة للفوز بتشكيل الحكومة نظرياً، اكتفى بالرد على تغريدة ترامب بالقول، إن مواطني إسرائيل وحدهم من يقررون، ومن سيكون رئيس الوزراء، وما هي الحكومة التي ستتولى السلطة.

في الواقع فإن المؤشرات كانت ترجح أن يلجأ نتنياهو إلى تصعيد الحرب على إيران قبل الانتخابات الإسرائيلية، والأمر لا يزال قائماً، حتى لو أن التسريبات والإعلانات تقول، إن الرئيس الأميركي لا يرغب في العودة إلى الحرب قبل الانتخابات النصفية.

فهل فعلاً قايض ترامب دعمه العلني لنتنياهو مقابل عدم الإقدام على شن الحرب أم أن الأمر ينطوي على خدعة متفق عليها بين المأزومين.

ميدانياً، ثمة تصعيد إسرائيلي واسع وصريح في الضفة الغربية، وعلى الجبهة اللبنانية، وكذا السورية، لكن أحداً لم يوفر لنتنياهو الذريعة لتصعيد حربي يساعده على الهروب إلى الأمام من انتخابات لا تحمل له سوى بشائر الملاحقة والمحاكمة.

إذاً هو تبادل للدعم بين رئيس ورئيس حكومة، كلاهما يتعرض وخلال وقت قصير لعواصف هوجاء من التغيير الذي لا يقف عند حدود سقوطهما، وإنما يذهب لإحداث صدع عميق في علاقات الولايات المتحدة بإسرائيل، وتهدد بفقدان الأخيرة لوظيفتها الاستعمارية.