حين تُفرض الكلمة ويُهمَّش السفير
نشر بتاريخ: 2026/10/30 (آخر تحديث: 2026/10/30 الساعة: 20:31)

في مناسبة رسمية لإطلاق خطة وطنية لحوكمة المخيمات الفلسطينية في لبنان، كان يفترض أن تكون الرسالة الأولى واضحة: احترام المؤسسات، وتحديد المسؤوليات، والالتزام بالأصول. لكن ما انتهى إليه ترتيب إلقاء الكلمة — أن يلقيها ياسر عباس بدلاً من سفير دولة فلسطين لدى لبنان، الدكتور محمد الأسعد — يثير سؤالاً بالغ الخطورة: ما قيمة الحديث عن الحوكمة إذا جرى التعامل مع قواعد التمثيل الرسمي بهذه الطريقة؟

بحسب المعلومات من مصادر خاصة، تعرض السفير الأسعد لضغوط سياسية من الجانب الفلسطيني، ومن ياسر عباس، للتنحي عن إلقاء الكلمة وإفساح المجال له. وإذا صحت هذه المعلومات، فهذه ليست مسألة ترتيب بروتوكولي عابر؛ إنها صورة مقلقة عن طريقة إدارة القرار الفلسطيني في لبنان: قرار يُفرض من أعلى، ويُدفع فيه السفير المعتمد إلى التراجع، من دون توضيح علني للأسباب أو إعلان قاعدة رسمية تبرر إبعاده عن كلمة المناسبة.

ياسر عباس يشغل موقعاً سياسياً وتنظيمياً بصفته ممثلاً خاصاً للرئيس وعضواً في اللجنة المركزية لحركة فتح ومفوضاً للعلاقات الخارجية. لكن هذه الصفات لا تجعله سفيراً معتمداً لدى الجمهورية اللبنانية، ولا تخوّله أن يحل محل السفير في تمثيل دولة فلسطين في مناسبة رسمية. إن الخلط بين الموقع السياسي والصفة الدبلوماسية يفتح الباب أمام تغليب النفوذ على المؤسسة، ويبعث برسالة مفادها أن الاعتماد الرسمي قد يُهمّش متى تعارض مع رغبة أصحاب القرار. المشكلة هنا لا تتعلق بشخص المتحدث وحده، بل بنمط في صناعة القرار لا يقيم وزناً كافياً للمؤسسات أو للأصول. فإذا كان السفير قد تنحى تحت الضغط، فذلك لا يجعل إبعاده مقبولاً ولا يحوّل التراجع إلى اختيار حرّ بالضرورة. إن تحميل السفير كلفة هذا الترتيب، ثم التعامل مع النتيجة كأنها إجراء طبيعي، هو قلب للمسؤولية وتطبيع مع فرض الأمر الواقع.

أما الجانب اللبناني، فكان أمامه واجب واضح يتمثل في احترام الأصول الدبلوماسية وتوضيح الترتيب المعتمد لإلقاء الكلمة. ولا ينبغي تحميل لجنة الحوار اللبناني الفلسطيني مسؤولية خلاف لم تكن طرفاً في صنعه؛ فدورها في هذه المناسبة هو تيسير الحوار وإطلاق الخطة، وهو دور نثمّنه. لكن وضوح التمثيل الرسمي يظل مسؤولية الجهات المعنية، حتى لا يُفهم الحرص على إنجاح المناسبة على أنه قبول بتجاوز الأصول أو تركها موضع التباس. إن لجنة الحوار اللبناني الفلسطيني معنية بأن تواصل دورها كمساحة مؤسسية للحوار العملي، وأن تساعد على الانتقال من التشخيص إلى إجراءات قابلة للتنفيذ، على قاعدة الشراكة واحترام الحقوق وإشراك الفلسطينيين في القرارات التي تمس حياتهم ومخيماتهم. وإطلاق خطة الحوكمة فرصة مهمة، لكن نجاحها لا يتطلب الزج باللجنة في خلاف على الكلمة؛ بل يتطلب صون دورها التيسيري، ومعالجة مسألة التمثيل عبر توضيح رسمي من الجهات المختصة.

والشراكة الحقيقية تقتضي حواراً لبنانياً فلسطينياً عملياً، تشارك فيه السفارة والفصائل واللجان الشعبية والناشطون والفاعلون، وتُسمع فيه أصوات اللاجئين أنفسهم. لكنها لا تعني مصادرة دور السفير، ولا تحويل موقع سياسي أو تنظيمي إلى بديل من التمثيل الدبلوماسي المعتمد. إن إنصاف الفلسطينيين يبدأ باحترام مؤسساتهم وأدوارهم، لا بفرض ترتيبات عليهم أو تجاهل ممثلهم الرسمي. لسنا أمام خلاف شخصي ينبغي تحويله إلى مادة للتشهير، بل أمام مسألة مؤسسية محددة لا تحتمل المراوغة: من سيلقي كلمة دولة فلسطين في إطلاق خطة الحوكمة؟ إذا كانت الدعوة قد وُجهت إلى السفير بصفته الرسمية، فالأصل أن تُحترم هذه الصفة. وإذا اعتمدت الجهات المعنية ترتيباً آخر، فعليها أن توضحه وتبيّن أساسه، من دون أن يُحمّل ذلك لجنة الحوار مسؤولية خلاف ليس من اختصاصها حسمه.

إن احترام هذا المبدأ لا ينتقص من أي دور سياسي، لكنه يمنع تضارب الأدوار ويحفظ كرامة العلاقة بين البلدين. أما تقديم شخصية غير معتمدة دبلوماسياً على السفير المعتمد في مناسبة رسمية، إن صحت المعلومات المتداولة، فهو تجاوز ينبغي توضيح أسبابه ومعالجته، لا تمريره بالصمت أو بإلقاء تبعته على لجنة الحوار.

الحقوق الفلسطينية في لبنان تحتاج إلى حوار جاد وشراكة حقيقية، لكنها تحتاج أيضاً إلى احترام الأصول والتمثيل الرسمي. لا حوكمة بلا مؤسسات، ولا مؤسسات بلا قواعد، ولا احترام متبادل إذا جرى تجاوز القواعد كلما تعارضت مع رغبة أصحاب النفوذ.