ملامح أولى للنظام العالمي القادم
نشر بتاريخ: 2026/01/13 (آخر تحديث: 2026/01/13 الساعة: 18:27)

قبل نحو عام، وعشية دخول دونالد ترامب البيت الأبيض مجدداً، سارع إلى إطلاق التهديدات ضد عدد من دول أميركا الوسطى، بنما والمكسيك، وجارة بلاده كندا، وتخلل ذلك إعلانه رغبته في السيطرة على أكبر جزيرة في العالم من حيث المساحة، وأغناها من حيث المعادن النادرة، والتي تقع في المحيط الأطلسي وتتوسط بذلك قارتَي أوروبا وأميركا الشمالية، تلك هي «غرينلاند»، ثم انشغل بإطلاق ما سمّي حرب التعرفة الجمركية، أو الحرب التجارية العالمية، بالنظر إلى أنه استهدف معظم دول العالم، وإن كان لم يخف أن هدفه الرئيس هو الصين، باعتبارها المنافس الاقتصادي الحقيقي والجدي للولايات المتحدة، التي ما زالت تعد أكبر اقتصاد في العالم بناتج محلي سنوي يقدر بما يقارب 30 تريليون دولار، فيما يبلغ الناتج المحلي السنوي للصين حالياً ما يقارب 20 تريليون دولار أميركي، لكن مع معدل نمو سنوي يجتاز حاجز 5%.

لكن ما كاد يمضي العام وإلا كان ترامب ومعه العالم ينسى تلك التهديدات، بل وحتى لم يهتم لا هو ولا أحد غيره، بمصير ما أعلنه من نسب التعرفة الجمركية التي تفاوتت بين دولة وأخرى، وإن كانت كلها صادمة، ما أكد أنها لم تكن نتيجة دراسة، وأن تراجع الاهتمام بها، وعدم تنفيذها، كان مجرد «تهويش» سياسي للضغط، أو لصرف النظر عن الإعداد لخطط أخرى، وأيضاً توجه انشغال ترامب وإدارته إلى الشرق الأوسط، في سياق سعيه لنيل جائزة نوبل للسلام، بما أوحى بأنه رجل سلام، جاء ليطفئ الحروب التي أشعلها سلفه جو بايدن، خاصة تلك التي تجري منذ 4 سنوات بين روسيا وأوكرانيا، أو هذه التي كانت تجري في الشرق الأوسط وتعجز حكومة حرب الإبادة عن تحقيق أهدافها بعيدة المدى، لكنه -أي ترامب - فجأة قلب ظهر المجن، وباغت الجميع بالسطو على كاراكاس عاصمة فنزويلا، واختطف رئيسها، بهدف قلب نظام الحكم، وإدارة البلاد، أي احتلالها رسمياً، أو عبر عملاء محليين، وذلك لوضع اليد على ثروتها النفطية، وقد صرح بذلك علناً وصراحة ودون تردد أو خجل.

إلى حد ما ترك ترامب في ولايته الحالية انطباعاً عاماً، بأنه نمر من ورق، أو أنه رجل ثرثار، كذلك أنه متقلب يطلق الكلام والتصريحات والمواقف هنا وهناك دون تفكير، ومن ضمن ذلك مثلاً ما كان يقوله دائماً من أن الحرب بين روسيا وأوكرانيا ما كانت لتقع لو كان رئيساً، وأنه سيضع حداً لها خلال أسابيع من توليه الحكم، والأمر ذاته سيحدث في الشرق الأوسط، بل أبعد من ذلك ادعى أنه أوقف سبع حروب، وقال ذلك في سياق تسويق نفسه لجائزة نوبل للسلام، وما إن ذهبت الجائزة للمعارضة الفنزويلية ماريا ماتشادو، حتى شن هجومه عليها، وهي نفس المرأة التي أعلن قبل أيام أنه يفكر في منحها رئاسة فنزويلا، بدلاً من نيكولاس مادورو الذي اختطفه، لكن ما فعله ترامب أكثر أهمية مما قاله أو أطلقه من ثرثرة، خاصة أنه واحد من أكثر رؤساء العالم استخداماً لـ»السوشيال ميديا» بشكل شخصي ومباشر، فهو معتاد على أن يطلق، بشكل يومي تقريباً، التصريحات عبر «تروث سوشيال» المملوكة من قبل مجموعة ترامب للإعلام والتكنولوجيا.

ما فعله ترامب أخطر وأهم بكثير مما قاله، فهو رفع يده تماماً عن أوكرانيا، وسار على طريق مفارق تماماً للطريق الذي سار عليه سلفه بايدن، فقد نزع العزلة عن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، حين التقاه في ألاسكا، وذلك بعد عدة لقاءات لوزيرَي خارجية البلدين، وضغط جداً على الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي ليقبل بالاستسلام وقبول صفقة أميركية - روسية، مضمونها الأرض الأوكرانية المحتلة من قبل روسيا وتعادل ربع مساحة أرضها، تكون لروسيا، مقابل منح معادن أوكرانيا الثمينة النادرة لأميركا مقابل ما منحته لها من أسلحة وعتاد خلال الحرب، التي خاضتها أوكرانيا أصلاً بالنيابة عن أميركا؛ لأن الحرب كانت من أجل تثبيت أركان النظام العالمي الأميركي، وبهذا تخرج أوكرانيا مهزومة أو بخفَّي حنين من صفقة لا تمنحها سوى وقف الحرب.

وكان أخطر ما قام به، إضافة بالطبع إلى مواصلة الوقوف إلى جانب إسرائيل في حرب الإبادة، وذلك طوال عشرة شهور خلال ولايته، رغم أنه توعّد بوقف الحرب قبل أن يدخل البيت الأبيض، وحين رضخ بنيامين نتنياهو لهذا المطلب ووافق على صفقة كانون الثاني، ظن الكثيرون أن حرب الإبادة الإسرائيلية قد توقفت بضغط ترامب وتنفيذاً لمشيئته، لكن ما حدث كان العكس، وما إن التقاه نتنياهو بالبيت الأبيض في شباط، أي بعد أسابيع قليلة على دخوله البيت الأبيض، حتى كان ترامب يتحدث عن وضع اليد على قطاع غزة، من قبل أميركا لمدة 10 سنوات تنفذ فيها بلاده مشروع «ريفيرا الشرق الأوسط»، ثم ذهب أبعد من كل هذا بإطلاق طائراته الحربية لقصف مفاعلات إيران النووية بدلاً من إسرائيل، أي أنه ذهب على طريق الدولة الإمبريالية علناً، وتطاول على سيادة دولة مستقلة.

السؤال هنا هو: لماذا تأخر أولاً ترامب عن الاهتمام بما كان يعتبر وفق عقيدة «مونرو» حديقة خلفية للولايات المتحدة، نقصد أميركا اللاتينية، ثم لماذا تحوّل إليها الآن؟ والإجابة عن هذا السؤال هي جوهر ومضمون بل والهدف من هذا المقال، ولا بد من القول أولاً إن ترامب ومن قبله بايدن، وقبلهما ترامب الولاية الأولى حاولا أن يجدا الطريق الأفضل لتثبيت أركان النظام العالمي الأميركي الذي نشأ عقب انتهاء الحرب الباردة مطلع تسعينيات القرن الماضي، وخاضت أميركا من أجل ذلك حروباً إقليمية في صربيا والبلقان أولاً، ثم في العراق ثانياً، ثم في آسيا الوسطى ضد القاعدة وطالبان في أفغانستان، ثم في ليبيا، في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين الحالي، وبعد أن أكدت تلك الحروب لهم أنها لم تحقق الهدف، انتبهوا إلى ظهور «بريكس»، وقوة الصين الاقتصادية وتعافي القومية الروسية، كذلك ظهور نمور اقتصادية في غير مكان من العالم، وصقور عسكرية كذلك، لذا خلال ثلاث ولايات للبيت الأبيض، كان هناك تناوب بين تجريب طريقَي الحرب العسكرية من جهة والاقتصادية من جهة، وهذه تم تجريبها كثيراً من خلال فرض الحصار على العديد من الدول.

إذاً ترامب ظن خلال عامه الأول من ولايته الثانية أن «التهويش» يمكن أن يفي بالغرض، ولأنه يعتبر الخطر الرئيس يتمثل في الصين، أكثر من خصمه الديمقراطي، فقد جاء للشرق الأوسط، ليس من أجل إسرائيل ولا لوقف الحرب، ولكن لجلب أموال الخليج للاستثمار في أميركا، بما يعادل نسبة النمو السنوي للاقتصاد الصيني، الذي يزيد على تريليون دولار سنوياً، لكن على ما يبدو أن البيت الأبيض بعد فشل اللجوء للتعرفة الجمركية، وبعد فشل وقف الحرب الروسية الأوكرانية والحصول الفوري على معادن أوكرانيا، بدأ يقتنع بأن تثبيت قواعد نظامه العالمي لم يعد ممكناً، وأنّ عليه أن يسارع في أخذ مكانه في النظام العالمي الجديد، والذي يبدو أنه يرتكز على ندية الصين وروسيا، مجتمعتين في بريكس أو وحدهما، أو مفترقتين، على أساس تقاسم النفوذ في العالم، فيكون الشرق الآسيوي للصين، خاصة تايوان، وما يتبعها من «آسيان» ويعود شرق أوروبا لروسيا أو حتى جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق، فيما يكون الغرب الأميركي بقارتَيه للولايات المتحدة.

في هذه الخارطة يتعلق السؤال بمكانة الاتحاد الأوروبي، فهل يكون قطباً كونياً، أو يعود غرب أوروبا - وهذا مستبعد - للانضواء تحت عباءة أميركا، بينما يكون هذا حال شرقها مع روسيا، لكن مصير الناتو الذي يبدو مهدداً على وقع غرينلاند، يبعد هذا الاحتمال، ولأن الأمر ما زال في عالم التوقع، ودون أن تتحدد ملامحه، بل دون أن تتأكد جديته تماماً، فإن مصير الاتحاد الأوروبي أو أوروبا كلها ليس معروفاً بعد، بل أيضاً مستقبل الشرق الأوسط، وهو مرتبط إلى حدود بعيدة بأوروبا، نظراً لأن الشرق الأوسط منتج ومصدر كبير للطاقة، فيما أوروبا مستهلك ومستورد كبير لها، لهذا ربما تحاول إسرائيل أن تقدم نفسها كزعيم للشرق الأوسط، بحيث يرتكز النظام العالمي على أربع أرجل بدلاً من ثلاث، أو على نظامَين: عالميّ للقوى الكونية التي تجمع ما بين القوة الاقتصادية والعسكرية، أي أميركا، الصين وروسيا، وإقليمي وهذا يشمل عدة أقاليم، فهناك دول عظمى إقليمية في آسيا، مثل اليابان والهند وحتى كوريا، وربما إندونيسيا، وهناك إفريقيا، وهكذا فإن السنوات القليلة القادمة، خاصة ما تبقى من ولاية ترامب، ستحدد إلى حد بعيد ملامح النظام العالمي الآخذ في التشكل.