تتفاقم حالة جنون العظمة لدى رئيس أميركا دونالد ترامب إلى حد أنه بات يتصرف وكأنه الرب الأعلى لهذا الكون يضرب في كل اتجاه.
جدول أعمال ترامب مزدحم بالأهداف، وقائمة الأولويات لا تتوقف عند حدود، لا في الزمان ولا في المكان، إنه دكتاتور، محاط بفريق لا يعرف إلا منطق: حاضر سيّدي.
إذا كان ترامب لا يقبل نقاشاً أو اعتراضاً من فريقه الذي يستند إليه في تحقيق هدف «أميركا أولاً»، فهو بالتأكيد لا يرى آخرين، من منافسين كانوا أو حلفاء، حتى أنه لا يقبل منطق «نفّذ ثم ناقش».
هو عن عمد وسابق إصرار وتخطيط، لا يستهدف تدمير النظام الدولي، والقوانين والمؤسسات الدولية، والقيم التي نشأت بعد الحرب العالمية الأولى، وإنّما يعمل على فرض قانون ترامب، الذي تشكّل منظومته الأخلاقية مرجعيته الوحيدة.
الأمم المتحدة بوجودها، ومؤسساتها، والبنك الدولي، و»الناتو»، وقواعد التجارة الدولية، والتحالفات السياسية والاقتصادية كلها مستهدفة، لصالح نظام تفرّد «ترامبي»، وليس تفرداً أميركياً وحسب.
إنه لا يتورّع عن الاستهانة برؤساء دول كبرى، ويتعامل مع الجميع خارج قواعد الأعراف الدبلوماسية، وكأنهم تلاميذ في الصفوف الابتدائية.
لقد نشأ ما يُعرف بـ»مجلس السلام» انطلاقاً وتأسيساً على «خطة العشرين بنداً» الخاصة بحرب الإبادة الجماعية والتجويعية على قطاع غزة ليتضح من ميثاق المجلس، أن ارتباطه بغزة ليس أكثر من نقطة انطلاق نحو مؤسسة بديلة للأمم المتحدة ليصبح الشرق الأوسط مجرّد جزئية في النظام الدولي الجديد.
المجلس الموعود، وكأنه مجلس الجنة لا مكان فيه للضعفاء فمن أراد الحصول على البركة عليه أن يدفع مليار دولار مع شرط عدم الاعتراض على القرارات الحصرية التي يختصّ بها ترامب وحده.
في البداية، ثمة من أعرب عن استعداده للانضمام إلى المجلس الموعود، لكن البعض أخذ يتوجّس خوفاً، والبعض الآخر، يتردّد في الانضمام، ما يثير غضب ترامب الذي يصدر تهديداته لمن يُخالفه الرأي والرؤيا.
المجلس الموعود، أمام اختبار حقيقي في نقطة انطلاقه، خصوصاً بعد أن تمّ الإعلان عن أسماء من اختارهم لعضويته، والإعلان عن «المجلس التنفيذي»، واللجنة الوطنية الفلسطينية التي تدير الشأن الإنساني والإداري في القطاع.
تمرّ الأيام، ولا يحدث شيء، بل تزداد التحديات من جانب الاحتلال الإسرائيلي لإفشال الخطة، ومنع تقدمها في تنفيذ استحقاقات المرحلة الثانية.
دولة الاحتلال ترفض فتح معبر رفح، وتصعّد التوتر مع مصر، وترفض مشاركة قطر وتركيا في «التنفيذي» وفي قوة حفظ الاستقرار، وترفض الانسحاب، بل تواصل توسيع المنطقة التي سيطر عليها جيش الاحتلال.
وترفض الدولة العبرية إدخال المعدات الثقيلة والخفيفة، والبيوت مسبقة الصنع، أو «الكرفانات»، وترفض إعادة تأهيل القطاع الصحي، أو شبكة المياه والصرف الصحي.
وآخر ما أقدمت عليه حكومة نتنياهو الفاشية، منع أعضاء اللجنة الوطنية الفلسطينية من العودة إلى القطاع، بعد أن سمحت لمن كان منهم متواجداً داخل القطاع، للخروج لحضور اجتماعها الأول. وبصرف النظر عن الذرائع، إن كانت موجودة أو يتمّ اختلاقها، فإن الخطاب الرسمي الإسرائيلي لا يزال يركّز على إمكانية العودة إلى الحرب الهمجية كما كانت عليه قبل تنفيذ الخطة لتحقيق هدفي سحق المقاومة، وتهجير سكان القطاع إلى خارجه.
ثمة من المحللين والمراقبين، خصوصاً الفلسطينيين من يبالغ في تضخيم الآثار المترتّبة على القضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني، وكأن الأوضاع استقرّت تماماً لصالح الرؤيا الإسرائيلية. وبرأينا أن «خطة ترامب» أوقفت حرب الإبادة، وهي على علّاتها الكثيرة، لم تكن خياراً فلسطينياً لكنها تتيح إمكانية تحسين الأوضاع المعيشية لسكّان القطاع، بما يساعد على الصمود والبقاء.
«حماس» بادرت إلى التراجع عن المواجهة، لصالح التوافق الوطني الذي يتجسّد في دعم اللجنة الوطنية، التي ستكون هي في الواجهة. هذا يعني أن المشاكل والأزمات المرتبطة بتنفيذ المرحلة الثانية من الخطة، هي في عهدة ترامب والمجالس التي أنشأها فهو وخطته المستهدفان من التحدي الإسرائيلي.
والسؤال: هل سيقبل ترامب، التفريط بهيبته ومكانته أمام التعنّت الإسرائيلي، أم أنه سيفرض على نتنياهو الانصياع كما فرض عليه مشاركة قطر وتركيا، في «التنفيذي» رغم المعارضة الإسرائيلية القوية والمستمرة؟
وبرأينا أن فلسطين وشعبها وقضيتها قد دخلت مرحلة الأمان الإستراتيجي، فهي بعد أن كانت مسؤولية فلسطينية فعلية وحصرية، ومسؤولية عربية وإسلامية نظرية، ومسؤولية قانونية دولية، قد تحوّلت إلى مسؤولية رأي عام عالمي عميق لا يزال يتفاعل بقوة لصالح السردية الفلسطينية.
لقد انطلق المشروع الصهيوني في رحم المجتمع الدولي، وفي ذلك المجتمع سينتهي، شرط أن يحافظ الفلسطينيون على وجودهم على أرضهم، وأن يمكّنوا أوضاعهم وصمودهم عَبر تعزيز وحدتهم، وتفعيل كل أوراق قوتهم الناعمة. ترامب ليس أبدياً، ولا نتنياهو، والتاريخ لا يعود إلى الخلف.