غزة: يصادف الأول من تموز مرور 32 عاماً على العودة التاريخية للقائد الرمز ياسر عرفات (أبو عمار) إلى أرض الوطن عام 1994، مستهلاً حقبة نضالية جديدة من الداخل بعد 27 عاماً من المنفى القسري والشتات.
تأتي هذه الذكرى اليوم وسط مشهد فلسطيني شديد التعقيد والقتامة، يفرض مقارنة حتمية بين الأمس الحالم واليوم المثقل بالجراح.
لحظة العودة: ترابٌ قُبّل ودولةٌ تُبنى
في تمام الساعة الثالثة من بعد ظهر الأول من تموز 1994، وطأت قدما ياسر عرفات قطاع غزة عبر معبر رفح البري.
المشهد التاريخي: جثا الزعيم ليقبّل ثرى الوطن وأدى صلاة الشكر، وسط طوفان بشري احتشد في ساحة الجندي المجهول ومخيم جباليا لاستقبال "الرقم الفلسطيني الصعب".
التحول المحوري: لم يدخل عرفات فدائياً متخفياً، بل دخل كرئيس رسمي لكيان سياسي فلسطيني معترف به دولياً، معلناً انطلاق معركة بناء مؤسسات الدولة والسيادة من قلب الأرض المحررة.
المفارقة السياسية: من وحدة المبادرة إلى التشرذمرسمت العودة آنذاك ملامح مشروع سياسي تباينت حوله الآراء، لكنه اتسم بمركزية القرار:
المشهد السياسي عام 1994: قاد عرفات مشروع "غزة - أريحا أولاً" متمسكاً بـ الوحدة الجغرافية والسياسية بين الضفة والقطاع، حيث كانت منظمة التحرير مظلة جامعة تمتلك زمام المبادرة السياسية المستقلة، وتناور دولياً لانتزاع الدولة وعاصمتها القدس.
الواقع السياسي اليوم: تعيش الساحة الفلسطينية حالة انقسام وتشرذم سياسي حاد، ترافق مع غياب لمركزية القرار الموحد وافتقاد للمبادرة، مما أدى إلى تراجع مكانة القضية الفلسطينية في الحسابات الإقليمية والدولية وترك الشعب بلا حماية سياسية جامعة.
جغرافيا غزة: من معقل الثورة إلى مربعات الركام
المقارنة الميدانية لقطاع غزة -الذي شهد ميلاد السلطة الوطنية- تكشف حجم النكبة المتجددة:
في عهد ياسر عرفات: شكّل قطاع غزة الركيزة الأساسية لعودة القيادة ومقراً للرئاسة والمؤسسات. ورغم الحصار والاعتداءات الإسرائيلية، بقيت الجغرافيا مترابطة، والديموغرافيا متلاحمة، والأرض تنبض بالثورة وبناء الاقتصاد الوطني.
في الواقع الميداني اليوم: يمر قطاع غزة بأبشع حرب إبادة وتدمير في تاريخه الحديث؛ إذ أسفرت الآلة العسكرية الإسرائيلية عن احتلال وقضم نحو 80% من مساحة القطاع، وتحويل مدنه ومخيماته إلى ركام معزول، وسط مخططات معلنة للتهجير القسري وإعادة احتلال الأرض بالكامل.
ياسر عرفات: الثائر، السياسي، والإنسان
تحل الذكرى الثانية والثلاثون لتؤكد أن إرث أبو عمار ما زال عصياً على الغياب:
الثائر: الذي لم ينزع بدلتة العسكرية، وحافظ على كوفيته كرمزية عالمية للتحرر ومقاومة الظلم.
السياسي: الذي أتقن "رقصة الموت" بين البندقية وغصن الزيتون، ورفض التنازل عن الثوابت الوطنية -خاصة القدس وحق العودة- حتى دفع حياته ثمناً لمحاصرته في المقاطعة.
الإنسان: الأب الحنون الذي كان يعرف عائلات الشهداء بأسمائهم، ويحتضن الأطفال، ويمسح دموع المحتاجين، تاركاً فراغاً كاريزمياً لم يملأه أحد من بعده.
تمر الذكرى اليوم وغزة التي احتضنت قُبلة عرفات الأولى قبل 32 عاماً تختنق تحت وطأة الاحتلال والدمار. إن استذكار عودة "أبو عمار" في هذا التوقيت الحرج ليس تقليباً في صفحات التاريخ، بل صرخة لتستعيد القيادات الفلسطينية الحالية البوصلة الوطنية، وتنبذ الانقسام، وتستلهم روح القائد الذي كان يرى في أحلك الظروف أن "النصر صبر ساعة" وأن الدولة قادمة لا محالة.
32 عاماً على عودة «أبو عمار».. بين فجر السيادة وواقع الإبادة وقضم الجغرافيا
نشر بتاريخ: 2026/07/02
(آخر تحديث: 2026/07/02 الساعة: 18:38)