نقطة ضوء.. الحمد لله… لدينا أزمة!
نشر بتاريخ: 2026/07/23 (آخر تحديث: 2026/07/23 الساعة: 17:51)

 

بعد دراسات ميدانية معمقة، توصلنا إلى أن أزمة المحروقات لم تكن أزمة، بل مشروعًا وطنيًا متعدد الأهداف، حقق للمواطنين فوائد جليلة، من أهمها:

ساعدت المواطنين على ضبط تنقلاتهم، فلم يعد أحد يغادر منزله إلا بعد دراسة جدوى، وموافقة عائلية، وخطة طوارئ، وبدائل احتياطية .

وعززت روح التعاون المجتمعي، فوضعت الأحياء جداول لتنظيم حركة مركبات سكانها. ففي حارة دار ملحم، على سبيل المثال، اتُّفق على أن تنطلق سيارة إحدى العائلات كل أربع ساعات، لتخدم سكان الحارة المحتاجين إلى التنقل، في تجربة رائدة تستحق التعميم .

ودعمت صندوق التوفير لدى المواطنين، فارتفعت نسبة المدخرات قسرًا، وانخفضت مصاريف الوقود، مما ساهم في تحقيق توازن تاريخي مع شح الرواتب، واتساع رقعة الفقر والبطالة .

ورفعت مستوى التواصل الاجتماعي أمام محطات الوقود، حتى أصبحت الطوابير ملتقىً ثقافيًا واجتماعيًا، وأسهمت – بحسب مصادر غير مؤكدة – في ارتفاع معدلات التعارف، والخِطبة، والزواج .

وعززت المساواة بين المواطنين، فاصطفت السيارات الفارهة، التي تساوي أسعارها ملايين الشواقل، جنبًا إلى جنب مع سيارات السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات، دون أي تمييز طبقي .

ونشرت، والحمد لله، ثقافة اللون الأصفر، أو الجالون الأصفر، وهو ما فسّره بعض المحللين السياسيين بأنه عودة شعبية عفوية إلى مسار حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح)، ونهجها الوطني العريق، ولونها المفضل .

وعرّفت المواطن الفلسطيني إلى كبار أصحاب رؤوس الأموال في الوطن؛ بثرواتهم، وعلاقاتهم، وامتداداتهم، وتحالفاتهم، وخلافاتهم، ومشاريعهم، والقوانين والتسهيلات التي تحيط بهم ، وهي معلومات لم تكن متاحة للجميع .

وساعدت كثيرًا من الأزواج على مغادرة منازلهم لساعات طويلة، بحجة البحث عن المحروقات، مما خفّض معدل الخلافات الأسرية، وقلّص الزيارات العائلية إلى أدنى مستوياتها منذ عقود .

وأنجبت الأزمة طبقة اجتماعية جديدة، هي مجتمع ملاك محطات الوقود والعاملين فيها، حتى أصبح رضاهم غاية كل صاحب مركبة، والتقرب منهم حلم كل سائق .

وشهدت مواقع التواصل الاجتماعي مطالبات جماهيرية بإنشاء شركات عامة مماثلة لتنظيم قطاعات الشمس، والقمر، والماء، والهواء، والزيت، والزيتون، والزعتر، والدخان العربي، والكافيتريات، والمواصلات العامة على المعابر، والجسور، والشوارع، والجبال .

كما اقترح بعض علماء السياسة و الاقتصاد تخصيص الحكومات نفسها، وطرحها للاكتتاب العام، باعتبار أن نموذج الشركات يبدو أكثر قدرة على تحريك الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ولا سيما بعد أفول نجم معظم الفصائل والتنظيمات الوطنية، وضياع البلاد أرضًا وشعبًا، وهروب أعداد متزايدة من المواطنين إلى بقاع الأرض المختلفة بحثًا عن خلاصهم الشخصي .

شكرًا لحكومتنا الغالية، وشكرًا لكل من ساهم في تحويل الأزمة إلى إنجاز، وشكرًا لشعبنا الفلسطيني الذي أثبت مرة أخرى قدرته الأسطورية على الصبر والتكيّف، وتحويل الطوابير إلى ملتقيات، والانتظار إلى ثقافة، والأزمات إلى “نجاحات” تستحق الاحتفاء .

ومزيدًا من الأزمات… فما زال في الجعبة الرسمية إنجازاتٌ لم تُكتشف بعد ! .

🔲 نص ،