بحر غزة... كارثة تنتظر الانفجار
نشر بتاريخ: 2026/08/06 (آخر تحديث: 2026/08/06 الساعة: 17:44)

بينما تتجه الأنظار إلى الأزمات الإنسانية المتلاحقة في قطاع غزة، تتشكل في صمت أزمة أخرى لا تقل خطورة، بل قد تمتد آثارها لعقود قادمة. إنها أزمة مياه الصرف الصحي التي تُطرح في البحر دون الوصول إلى مستوى معالجة يضمن حماية البيئة والصحة العامة، لتتحول المياه الساحلية من مصدر للحياة والغذاء إلى ناقل محتمل للأمراض والتلوث.

إن البحر ليس مكبًا للنفايات، وليس خزانًا قادرًا على ابتلاع ملايين الأمتار المكعبة من المياه العادمة دون ثمن. فكل لتر من مياه الصرف الصحي غير المعالجة يحمل مزيجًا من البكتيريا والفيروسات والطفيليات والمواد العضوية والملوثات الكيميائية والمعادن الثقيلة وبقايا الأدوية والمضادات الحيوية، وهي ملوثات لا تختفي بمجرد وصولها إلى البحر، بل تدخل في سلسلة بيئية معقدة تبدأ بالمياه والرواسب البحرية، ثم تنتقل إلى الأسماك والقشريات والمحار، قبل أن تعود إلى الإنسان عبر غذائه أو ملامسته المباشرة للمياه.

إن استمرار تصريف المياه العادمة دون معالجة فعالة يمثل أحد أخطر التحديات البيئية والصحية التي يواجهها قطاع غزة. فالأمر لا يقتصر على تلوث المياه، وإنما يمتد إلى خلق بيئة مثالية لانتشار مسببات الأمراض، وزيادة احتمالية الإصابة بالإسهال الحاد، والكوليرا، والتهاب الكبد الوبائي (A)، والتيفوئيد، وأمراض الجلد والعينين، فضلًا عن الأمراض المعوية التي تتفاقم في ظل الاكتظاظ السكاني وضعف الخدمات الصحية.

والأخطر من ذلك أن البحر يتحول تدريجيًا إلى حلقة لنقل العدوى بدلًا من أن يكون مصدرًا للحياة. فالصياد الذي يقضي ساعات طويلة في المياه، والطفل الذي يلجأ إلى البحر هربًا من حرارة الصيف، والأسرة التي تعتمد على الأسماك غذاءً أساسيًا، جميعهم يصبحون في دائرة الخطر عندما تتدهور جودة المياه إلى مستويات تهدد الصحة العامة.

ولا تتوقف الأزمة عند الإنسان، بل تمتد إلى النظام البيئي البحري بأكمله. فالمواد العضوية المطروحة بكميات كبيرة تستنزف الأكسجين الذائب في المياه، مسببة اختناق الكائنات البحرية ونفوقها، بينما يؤدي تراكم النيتروجين والفوسفور إلى ازدهار الطحالب الضارة التي تحجب الضوء وتخل بالتوازن البيئي. ومع مرور الوقت، يفقد البحر قدرته الطبيعية على التجدد، وتتحول المناطق الساحلية إلى بؤر تلوث مزمنة يصعب استعادتها.

كما أن التلوث المتكرر يهدد الثروة السمكية، ليس فقط من خلال انخفاض أعداد الأسماك، بل أيضًا عبر تراكم الملوثات والميكروبات في أنسجتها، وهو ما يثير مخاوف حقيقية بشأن سلامة الغذاء البحري. فالكائنات البحرية لا تعكس دائمًا مظاهر التلوث الخارجية، لكنها قد تحمل في داخلها ملوثات لا تُكتشف إلا بالتحاليل المخبرية، مما يجعل الرقابة الصحية على المنتجات البحرية ضرورة لا تحتمل التأجيل.

إن استمرار هذا الواقع يفرض ضرورة التعامل مع ملف مياه الصرف الصحي باعتباره قضية صحة عامة وأمن بيئي وأمن غذائي، وليس مجرد ملف خدمي. فغياب المعالجة الفعالة لا يهدد البحر وحده، بل يهدد الإنسان الذي يعيش على شاطئه، ويتنفس هواءه، ويأكل من خيراته.

كما تبرز الحاجة الملحة إلى إجراء تقييم علمي مستقل وشفاف لواقع منظومة معالجة مياه الصرف الصحي، وقياس جودة المياه الساحلية بصورة دورية، وتحليل عينات من الأسماك والكائنات البحرية، ونشر النتائج للرأي العام، بما يعزز الثقة ويتيح اتخاذ قرارات مبنية على الأدلة العلمية.

إن حماية البحر ليست مسؤولية بيئية فحسب، بل هي مسؤولية إنسانية وأخلاقية ووطنية. فالبحر الذي ظل لعقود مصدرًا للرزق والأمل لسكان قطاع غزة، لا يجوز أن يتحول إلى مستودع مفتوح للمياه العادمة، لأن الثمن لن تدفعه البيئة وحدها، بل سيدفعه الإنسان أولًا، وستدفعه الأجيال القادمة لاحقًا.

لقد أثبتت التجارب العالمية أن الكوارث البيئية لا تبدأ بانفجار مفاجئ، وإنما تبدأ بتراكم المشكلات الصغيرة حتى تصبح واقعًا يصعب احتواؤه. ومن هنا، فإن التعامل مع أزمة مياه الصرف الصحي في قطاع غزة يجب أن ينتقل من مرحلة إدارة الأزمة إلى مرحلة منع الكارثة، عبر إعادة تأهيل منظومة المعالجة، وتفعيل الرقابة البيئية، وتوفير حلول عاجلة تمنع استمرار تدهور البيئة البحرية.

إن صمت البحر لا يعني أنه بخير، وهدوء أمواجه لا يخفي حجم الملوثات التي يحملها. فالتلوث البحري لا يُرى دائمًا بالعين المجردة، لكنه يظهر في جسد طفل أصابه مرض معوي، أو في صياد فقد مصدر رزقه، أو في سمكة حملت من البحر ما لم يكن ينبغي أن تحمله. ولهذا، فإن حماية بحر غزة لم تعد خيارًا بيئيًا، بل أصبحت ضرورة وطنية وصحية لا تحتمل مزيدًا من التأخير.