عند الحاجة تضيع الحقوق... رسالة إلى منظمة اليونيسف والمنظمات الأخرى العاملة في مجال التعليم
نشر بتاريخ: 2026/08/13 (آخر تحديث: 2026/08/13 الساعة: 19:22)

تتطور الأحداث في قطاع غزة منذ عام 2023 في اتجاهات متعددة، دفعت بالاحتياج إلى العديد من التنازلات، حيث امتهنت الكرامة الإنسانية حين وقف الأطفال والنساء والشيوخ في طوابير أمام التكايا للحصول على الغذاء، ودفع الاحتياج أسرًا كثيرة متعففة إلى الوقوف أمام طوابير المخابز والمتاجر للحصول على ربطة خبز أو قليل من الماء.

وفي هذه الطوابير، اصطف المعلم والطبيب وأفراد مختلف قطاعات شعبنا أمام العجز الدولي واللاإنسانية التي تعاملت بها الدول والشعوب مع المجتمعات التي تتعرض للحروب والكوارث.

إنها ظواهر وشواهد كثيرة عاشها شعبنا خلال هذه المأساة التي ما زلنا نعيش فصولها تحت الخيام، وفي ظل موجات الحر القاتلة، وسط ظروف إنسانية بالغة القسوة.

لكنني اليوم أوجّه رسالتي إلى اليونيسف، هذه المنظمة الدولية التي جاءت لمساعدة شعبنا خلال الحرب.

حين تأتي المؤسسات الدولية بتبرعات من دول العالم لمساعدة شعبنا، وخاصة في مجال التعليم، وتقوم بتعيين معلمين من الخريجين وغيرهم من أجل الحفاظ على العملية التعليمية وحماية المجتمع من سياسة التجهيل، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو: ما الرسالة التي تقدمها هذه المؤسسات عندما يجري تغييب قانون الحد الأدنى للأجور المعمول به فلسطينيًا، والبالغ 1850 شيكلًا، أو ما يعادل نحو 600 دولار؟

كيف يمكن أن يحصل المعلم على 1100 شيكل مقابل 22 يوم عمل؟ ولصالح من يأتي هذا الظلم؟ ولماذا تغيب العدالة عن هؤلاء المعلمين؟

ولماذا لا يُطبّق هذا المعيار على العاملين الأجانب في البلدان التي تشهد حروبًا وكوارث، حيث يحصل بعضهم على ثلاثة أو أربعة أضعاف رواتبهم تحت بند بدل المخاطرة، وبنسب تصل إلى 300%، بينما يغيب هذا الحق عن المعلمين المتطوعين الفلسطينيين؟

لماذا يُحرم المعلمون المتطوعون من تطبيق الحد الأدنى للأجور عليهم؟ وأين دور وزارة العمل والجهات الحكومية التي تنظّم عمل المدارس وبرامج التطوع؟ وأين وزارة التربية والتعليم من هذا الاستغلال وهذا الظلم؟

هل تعلم إدارات المؤسسات الدولية أو المشرفون عليها، أو مديرو البرامج التعليمية، ماذا يعني أن يحصل خريج أو معلم على 1100 شيكل فقط في ظل هذه الظروف؟ هل يكفي هذا المبلغ لتوفير حياة كريمة لمعلم متزوج ولديه أسرة، أو حتى لمعلم أعزب قد يكون مسؤولًا عن إعالة أسرته؟

من المسؤول عن هذا الظلم؟ وهل جعل احتياج الناس وحاجتهم إلى العمل من بعضهم يتنازلون عن أبسط حقوقهم في الحياة الكريمة؟

إن الجهات المتعاقدة مع هذه المنظمات مطالبة بإعادة النظر في هذه السياسات، ورفع الظلم عن المعلمين المتطوعين، وتطبيق الحد الأدنى للأجور، بل والعمل على زيادتها وربط أجورهم بمستوى غلاء المعيشة، وبما يتناسب مع الواقع الصعب الذي يعيشه شعبنا في ظل هذه الحرب الطاحنة.

أما رسالتي إلى المعلمين، فأقول: أنتم تاج الرؤوس، وأنتم عماد المستقبل، وكرامتكم من كرامتنا. فلا تدفعكم الحاجة إلى التنازل عن حقكم في راتب يوفر لكم حياة كريمة.

وعلى وزارة التربية والتعليم أن تعمل على تنظيم عمل هذه المؤسسات بما يتلاءم مع واقعنا، وفي إطار القوانين المحلية المعمول بها والمقرة في المجتمع، بما يضمن للمعلمين حياة كريمة ويحفظ حقوقهم.

إن شعور المعلم بالراحة والرضا الوظيفي يجعله أكثر دافعية للعمل والإنتاج، أما شعوره بالظلم والاضطهاد، فلن يبني وطنًا ولن يهدم جهلًا، بل سنكون نحن من نهيئ للجهل البيئة الحاضنة.

فإذا كانت الحاجة قد أجبرت الناس على التنازل عن الكثير، فلا ينبغي أن تتحول هذه الحاجة إلى وسيلة لانتزاع أبسط حقوقهم: حقهم في العمل الكريم والأجر العادل والحياة الكريمة.