​حين يسقط شرف الخصومة... يسقط الوطن
نشر بتاريخ: 2026/09/02 (آخر تحديث: 2026/09/03 الساعة: 02:23)

​حين تتكاثر الجراح وتتداخل المعارك، ينتظر العقل الجمعي أن ترتقي النخب، والفصائل، وأصحاب الرأي إلى مستوى التحديات الكبرى التي تفتك بالشعب والقضية. غير أن الواقع للأسف يسير في الاتجاه المعاكس؛ إذ تحولت الخلافات السياسية والفصائلية من إطارها الطبيعي كاجتهادات متباينة، إلى "فجور في الخصومة" تهاوت تحته أبسط القواعد الأخلاقية والوطنية، ليسقط معها "شرف الخصومة" الذي طالما شكّل الحصن الأخير للنسيج المجتمعي والسياسي.

​فليس سهلاً أن تتحول هذه الخصومة إلى فجور في العلاقات؛ فالعلاقات بُنيت على الاختلاف، ومن الطبيعي جداً أن نختلف في الرأي، وفي القضية، وفي الموقف، وهذا أمر صحي في أي مجتمع. لكن أن تتحول هذه الخصومة إلى فجور وعداء، فهذا هو قمة السقوط، وربما سقوط مدوٍ للأخلاق والمبادئ الإنسانية التي عشناها سابقاً...

​كيف أُسقطنا من الاختلاف إلى الفجور؟ ومن عزز هذه الثقافة المريضة بيننا؟

​لقد تحولت الخلافات السياسية والفصائلية في كثير من المحطات إلى "فجور في الخصومة"، وغابت أخلاقيات الاختلاف والأخوة التي كانت تحكم العمل الوطني يوماً ما. وأصبحنا نرى التشفي في كل موقف وحادث هنا أو هناك، بل بتنا نتصيّد المواقف لنفجر أكثر فأكثر... فهل عززت الفصائل هذا النهج؟

​للأسف نعم، وغذته في كثير من الأحيان. وبتنا نرى ظاهرة الذباب الإلكتروني على أوسع نطاق؛ بالتشهير تارة، والتلفيق تارة أخرى، والذم والسب والشتم، وكأننا في ساحة حرب مع عدو وليس خصماً سياسياً أو صاحب رأي.

​كل ذلك تعزز بعد حالة الانقسام عام 2007 وما جرى من أحداث مؤسفة أكلت الأخلاق قبل الأخضر واليابس، وعززت مفهوم الولاء الأعمى والطاعة المريضة، وأصبحت تذكرة عبور فورية نحو مقصلة "التخوين". وأصبح المسح الإلزامي لكل مساحات الرمادي هو السائد؛ فإما أن تكون معنا بكل تفاصيلك، أو أنك تقف في معسكر الخيانة والمشبوهين افتراضياً. هذه الثقافة المدمرة لم تترك مجالاً للوسطية أو للاجتهاد الوطني المستقل، ولا للحوار من طريق.

​ولا يتوقف الأمر عند حدود الصراع الفصائلي والحزبي التقليدي، بل امتد ليتسع ويطال كل من يحاول التحرك أو العمل خارج هذه المنظومة. فتخوين تيار دحلان أو أي جهة تسعى لتقديم مبادرات أو حلول، وتخوين كل من يرغب في تقديم خدمة للناس، بات سيفاً مسلطاً على رقبة أي مبادرة حية. لقد تم تحريم الاجتهاد السياسي، وأصبح العمل العام مغامرة محفوفة بتهم الجاسوسية والاصطفاف المعادي، لمجرد أن صاحبها يعمل وحده، أو خالف الفصيل الفلاني، أو غرّد خارج السرب.

​ولم تسلم النخب الفكرية والثقافية من هذا الإرهاب المعنوي؛ فالكتاب والصحفيون الذين تحرس أقلامهم الحقيقة، وجدوا أنفسهم في مرمى نيران التخوين الممنهج. وما تعرض له الكاتب أكرم عطالله مؤخراً وغيره من الأصوات الحرة التي حاولت تقديم قراءة نقدية أو تفكير خارج الصندوق، سوى نموذج صارخ للاغتيال المعنوي، واغتيال الكلمة، وتدجين الفكر. يُحاكم الكاتب اليوم لا على أساس قوة حجته، بل على أساس هُوية من يعجبهم ومن لا يعجبهم، ليتحول قلم الحرة إلى هدف مشروع لفرق الاغتيال المعنوي.

​هذا المناخ المسموم أوجد بيئة خصبة لما يُعرف بـ "الذباب الإلكتروني" والكتائب المنظمة. بات كل طرف يمتلك جيشاً افتراضياً يتفنن في فضح الخصوم، واختلاق الشائعات، وانتهاك الأعراض، ونشر غسيل المعارك البينية على حبال الوسائط الاجتماعية الواسعة. وفي زحمة هذه الحرب المعنوية القذرة، يغيب المواطن البسيط المكلوم، وتضيع هموم الناس الحقيقية ومأساتهم تحت ركام التجييش الممنهج.

​فعندما تغلب علينا ثقافة التخوين، يسقط معها شرف الخصومة كحقيقة واقعة ومؤلمة تلامس جرحاً عميقاً في الوعي الجمعي والنسيج المجتمعي، خصوصاً في ظل الظروف القاسية التي نعيشها معاً. فانهيار المجتمعات يبدأ من هنا: تجرد من الأخلاق، غياب الوعي الجمعي، ثقافة التخوين، تغييب الآخر، والاغتيال المعنوي لكل من يخالفنا. فلا يمكن نجاح أي مجتمع ونهضته وهو بهذه الحالة المبتلاة بالثقافة الهدامة التي تخدم العدو فقط.

​وفي حالتنا الفلسطينية، الموضوع أكبر من ذلك؛ فالاحتلال وحده المستفيد من هذه الحالة والثقافة المريضة، ووحده من يتغذى عليها، ووحده من يجني ثمارها. فنحن نخدم الاحتلال دون أن ندري، ننفذ سياسة الاحتلال دون تكليف، ونحقق غايته دون أجر! فمن منا يقبل أن يكون شريكاً للاحتلال ومتعاوناً معه في قتل مجتمعنا بهذه السياسة الغريبة علينا؟

​الوطن أكبر بكثير من كل الفصائل، وأوسع من كل الشعارات الحزبية الضيقة، وبقاء القضية مرتبط باحترام عقل الإنسان وحريته في الاختلاف