صورة أميركا البائسة في ترامب !
نشر بتاريخ: 2026/09/15 (آخر تحديث: 2026/09/15 الساعة: 10:24)

أصدرت مستشارة سابقة في البيت الأبيض كتاباً بعنوان «المختل: مشاهد من بيت ترامب الأبيض»، كما سبق للرئيس الكولومبي السابق أن وصف الرئيس 45 للولايات المتحدة، بأنه غير عقلاني، ولا يستحق قيادة الولايات المتحدة، كما سبق للزعيم الكوري الشمالي كيم جينغ أون أن وصف الرئيس ترامب عام 2017 حين هدد بتدمير كوريا الشمالية بالمختل عقلياً، ويبدو أن أعداد من يقتنعون بهذا تزداد مع مرور الوقت، فعلامات عدم التعقل لسيد البيت الأبيض عديدة، منها قناعته الراسخة بأنه أعظم رئيس في تاريخ الولايات المتحدة الأميركية، أي أعظم من جورج واشنطن، وأبراهام لنكولن، وفرانكلين روزفلت، وتوماس جيفرسون، وجون كيندي، ورونالد ريغان.

وجورج واشنطن هو أول رئيس للولايات المتحدة الأميركية، الذي وضع لها أساس وقواعد النظام الديموقراطي والحكم الفدرالي، والذي أطلق اسمه على العاصمة السياسية للبلاد، أما أبراهام لنكولن فهو من ألغى العبودية التي تسببت في الحرب الأهلية، وقاد البلاد خلال تلك الحرب، بحيث حافظ على وحدتها، وعدم انقسامها بين ولايات شمالية وأخرى جنوبية، بسبب نظام العبودية الذي كان معمولاً به في الولايات الجنوبية، أما فرانكلين روزفلت فهو الرئيس الوحيد في تاريخ الولايات المتحدة الذي بقي في البيت الأبيض لمدة أربع ولايات رئاسية، وقاد الحلفاء خلال الحرب العالمية الثانية، وبذلك قاد العالم إلى الانتصار على النازية، وهو من أنقذ بلاده من الكساد الكبير، بينما كان توماس جيفرسون، هو من صاغ إعلان الاستقلال، ومن قاد أميركا للتوسع نحو الغرب، بعد أن كان الاتحاد يضم 12 ولاية تقع شرق البلاد الحالية، أو على الضفة الغربية من المحيط الأطلسي، فيما كان جون كينيدي أصغر رئيس في تاريخ البلاد، وقاد أميركا في لحظة فارقة من الحرب الباردة، حين واجه نيكيتا خروشوف فيما سميت حرب خليج الخنازير، حين وقف العالم على حافة الهاوية خشية من حرب نووية بسبب كوبا، أما رونالد ريغان فكان آخر رئيس جمهوري، انتخب مرتين متتاليتين وثالثة بشخص نائبه جورج بوش الأب، وخاض حرب النجوم مع السوفييت، وفتح الباب للظفر بالحرب الباردة.

أما باراك أوباما، فقد كان أول رئيس أميركي أسود، ومن أصول غير أوروبية، بما عزز من صورة أميركا كدولة كوزموبوليتانية تمثل نموذجا للعالم، ولعل نفوذه الذي ما زال قائماً بسبب شعبيته، بين الأميركيين وليس فقط الديموقراطيين منهم، هو ما يثير حفيظة ترامب، لدرجة أنه سارع إلى إصدار المراسيم الرئاسية التي ألغت كل ما سبق لأوباما أن أصدره، بما في ذلك اتفاق 5+1 مع إيران حول برنامجها النووي، ومن ثم اعتبره خصمه الانتخابي حين واجه هيلاري كلينتون عام 2016، لأنها كانت وزيرة خارجية أوباما، وجو بايدن عام 2020 الذي كان نائباً لأوباما.

وبعد هؤلاء الرؤساء هناك شخصيات مرت في تاريخ الولايات المتحدة، يمكن القول بكل ثقة، إنها كلها أهم بكثير من ترامب، بل إن ترامب الرئيس الإشكالي، كان أول رئيس لا يتمتع بأي قدر من الروح الديموقراطية، التي تفتخر أميركا بتقديمها للعالم، حين خسر انتخابات الرئاسة عام 2020، وحرّض مؤيديه على اقتحام الكابيتول، لتعطيل مراسيم إعلان خصمه في ذلك الوقت، جو بايدن رئيساً للبلاد، وبعد ذلك حدّث ولا حرج، في تعداد المواقف والتصريحات والسياسات التي تدل على أن ترامب شخص يفتقر للياقة وللنضج السياسي، بما يمكن وصفه، بأنه رئيس كاريكاتوري أو بهلواني، فهو منذ أن دخل البيت الأبيض، خاصة في ولايته الثانية، أي منذ ما يقارب العامين، وهو يتواصل مع العالم شخصياً ويومياً عبر «تروث سوشيال»، وكالته الخاصة التي أسسها، بعد أن اضطرت مواقع السوشيال ميديا العالمية لحظر حساباته لديها، لتجاوزه قوانين اللياقة واحترام الآخرين.

أقل ما يمكن وصف خطابات ترامب، بأنها «عاطفية» لا علاقة لها لا بالعقل ولا المنطق، وإذا ما قمنا باستعراض سريع لما سبق وأعلنه حول حربه مع إيران، لتبين لنا أن الرجل، إما «مختل» أو أنه يعيش في عالم آخر، أو أنه آخر من يعلم، وذلك في أحسن الأحوال، فهو يواصل الكذب ليل نهار، دون أن يرف له جفن، فكم مرة أعلن أنه دمر إيران بالكامل؟ وكم مرة قال إنهم يتوسلون إليه ليتفاوض معهم، وكم مرة قال إنه يسيطر على مضيق هرمز، وإن المضيق بالكامل تحت سيطرة قواته، بينما سعر برميل النفط يواصل الارتفاع، ورغم أن أميركا تواصل ضخ أكثر من مليون برميل يومياً لإنقاذ سوق الطاقة من انفجار الأسعار، ومن انطلاق التضخم في أميركا إلى مستوى يطيح برأس ترامب وليس فقط بأغلبية حزبه الجمهوري في الكونغرس؟

أما لو استعرضنا معظم ما أعلنه من مواقف وسياسات، تتطابق نظرياً مع مشاهد «الكاوبوي» الأميركي، المترسخة في الذاكرة البشرية وليس الأميركية فقط، وتشبه عملياً إلى حد بعيد صورة دون كيشوت، الذي حارب طواحين الهواء، وحاول إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، والعودة بالفروسية إلى واقع كانت بلاده قد تجاوزته منذ سنين، وترامب دخل البيت الأبيض وهو يدرك أن مشكلة بلاده تكمن في سباق النفوذ الاقتصادي بالدرجة الأولى القائم بينها وبين الصين، لذا نظر حواليه، وفكر في السطو على المال، أينما رأته عيناه، وأينما شاهده خياله، في كندا، والمكسيك، وبنما، وغرينلاند، التعرفة الجمركية مع كل دول العالم، في الشرق الأوسط، وفي فنزويلا. وفي فنزويلا بالذات ظهر الكاوبوي على أوضح صورة، وفي ذروة القرصان، انطلق لتكرار المشهد مجدداً، في الشرق الأوسط هذه المرة.

لن نشير هنا إلى أن ترامب لا يهتم لا بالقوانين الدولية، ولا بالأخلاق الإنسانية، ولن نذهب إلى مواقفه التي تنطوي ضمن السياق الإمبريالي لتاريخ بلاده، من الاعتراف بضم إسرائيل للقدس والجولان، ولا تجاهله لعملية السلام التي كانت تلفظ أنفاسها الأخيرة عام 2016 حين دخل البيت الأبيض أول مرة، ولا انسحابه من اتفاق سياسي عقدته خمس دول هي الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن مع إيران، ولكن نحاول أن نبقى في الحقل الدال على الطابع الكاريكاتوري في شخصيته، والذي يبدأ من خلال متابعته الشخصية المستمرة للتصدي لمهمة إعلام البيت الأبيض، من خلال موقعه في «تروث سوشيال» بينما هذه مهمة المتحدثين الرسمين، سواء للبيت الأبيض أو للوزارات المختصة، خاصة الخارجية والدفاع، وبما في ذلك استخدامه للذكاء الصناعي، الذي يظهره كما لو كان طفلاً يلهو، وليس رئيساً لأكبر دولة في العالم، ومن ضمن ذلك مواصلة التعبير عن نرجسيته المريضة، ليس فقط في تغيير أسماء العديد من المواقع الدولية، مثل قناة بنما، وبحيرة أونتاريو، وحتى مضيق هرمز، الذي يريد أن يطلق عليه اسم مضيق ترامب، وصولاً إلى سك عملة معدنية عليها صورته!

ومسلسل السخافة والبؤس «الترامبي» لا يكاد يتوقف عند حد، فهو قد ظهر بشكل مقيت في مؤتمر الحزب الجمهوري غير المسبوق، والذي يكون عادة فقط قبل انتخابات الرئاسة المترافقة مع انتخابات الكونغرس، ولم يسبق أن حدث قبل الانتخابات النصفية، وذلك حين ألقى خطبتين على مدار يومين متتاليين في المؤتمر، قدّم في الأولى «رشوة انتخابية» لتحفيز الناخبين الأميركيين للتصويت إلى حزبه، وذلك لأنه بات مرعوباً من الاحتمال المرجح بفوز الديموقراطيين بالأغلبية، ورغم أن رشوة الخمسة آلاف دولار أمر مقيت، خاصة وهي تعلن صراحة، إلا أن ما يزيد من حالة البؤس الترامبي هو كونها كذبة وتضليلاً، لأنها تعني ضرورة توفير تريليون دولار لنحو مائتي مليون ناخب، ومثل هذه الأموال ليست في خزينة الحزب الجمهوري ولا في خزائن ترامب، ولا يمكنه بالطبع أن يحصل عليها من الخزانة الفيدرالية!

ثم كان المظهر البغيض في اليوم التالي، حين رفع يده وطالب مؤيديه الذين كانوا

أشبه بجمهور «المهرجانات» التي تعقد لما تسمى أغاني «الراب» و»البوب» أي «أي كلام» لأن جمهورها يكون عادة غائباً عن الوعي، يتمايل غريزياً بعد أن يقوم بتخدير عقله وتجميد تفكيره، وأخذ يردد القسم بأعظم رئيس في تاريخ الولايات المتحدة، الذي هو ترامب، بأن يصوت له، كما لو كان في صندوق الاقتراع، حتى لو لم يكن اسمه ضمن قوائم الناخبين، أي حتى بالتزوير، ذلك أن غاية ترامب تبرر كل الوسائل غير القانونية ؟.

هكذا صار الرئيس الأميركي موضوعاً للتندر بين كتاب المحتوى وناشطي الإعلام بكل أشكاله، هذا في الوقت الذي تخوض فيه أميركا صراعاً حقيقياً حول النظام العالمي، مع قوى عالمية ناضجة، لا تظهر أي شكل من أشكال الخفة أو الاستخفاف، فلا تفعل هذا الصين ولا روسيا ولا إيران، أما السؤال الأهم فهو: كيف انتخبت أميركا هذا الرجل رئيساً لها مرتين؟.