دراسة: التخدير العام يغيّر شبكات الدماغ ولا يوقف الوعي ببساطة
نشر بتاريخ: 2026/09/27 (آخر تحديث: 2026/09/27 الساعة: 13:25)

لندن - كشفت أبحاث علمية حديثة أن التخدير العام لا يؤدي إلى فقدان الوعي بطريقة بسيطة ومباشرة كما كان يُعتقد سابقًا، بل يغيّر آلية عمل الدماغ وطبيعة الاتصال بين مناطقه، في وقت لا يزال العلماء يبحثون فيه عن تفسير كامل للكيفية التي يحدث بها فقدان الوعي.

وتناول تقرير لهيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي" أحدث الأبحاث المتعلقة بتأثير التخدير العام في الدماغ، مشيرًا إلى أن فهم الطريقة التي يفقد بها الدماغ الوعي قد يساعد العلماء أيضًا في الإجابة عن سؤال أوسع بشأن كيفية نشوء الوعي من الأساس.

وتُستخدم أدوية التخدير العام منذ القرن التاسع عشر لإدخال المرضى في حالة مؤقتة من فقدان الوعي خلال العمليات الجراحية، إلا أن الآلية الدقيقة التي تجعل الإنسان غير واعٍ تحت تأثير هذه الأدوية لم تُحسم علميًا حتى الآن.

وتعمل مواد التخدير بآليات مختلفة، لكن تأثيرها المشترك يتمثل في تعطيل التواصل بين الخلايا العصبية والتأثير في الطريقة التي تتبادل بها مناطق الدماغ الإشارات والمعلومات.

وتظهر فحوص الدماغ انخفاضًا واضحًا في النشاط أثناء التخدير، غير أن العلماء لا يزالون يبحثون في كيفية تحول هذا التراجع في النشاط إلى فقدان للوعي، وما إذا كان الأمر يرتبط بمنطقة محددة في الدماغ أم بشبكة واسعة من المناطق المترابطة.

ويركز جانب من الأبحاث على "المهاد"، وهي منطقة عميقة في الدماغ تؤدي دورًا في الربط بين مناطق متعددة، وتشارك في تنظيم النوم واليقظة. وقال نيك فرانكس، أستاذ الفيزياء الحيوية والتخدير في إمبريال كوليدج لندن، إن المهاد يبدو من المناطق التي ينخفض نشاطها مبكرًا تحت تأثير التخدير.

وتزداد أهمية المهاد في أبحاث الوعي بعد تجارب أظهرت أن تحفيز مناطق محددة منه يمكن أن يساعد على إيقاظ حيوانات خضعت للتخدير، فيما تبحث دراسات أخرى في إمكانية الاستفادة من التحفيز في بعض حالات اضطرابات الوعي. إلا أن فرانكس أكد الحاجة إلى مزيد من الأبحاث لتحديد ما إذا كان المهاد يمثل نقطة البداية الرئيسية لفقدان الوعي.

وفي المقابل، يرى علماء آخرون أن القشرة الدماغية، إلى جانب مناطق مثل الفصين الجبهي والجداري، تؤدي دورًا أساسيًا في الوعي. ويعكس هذا الاختلاف عدم وجود توافق علمي نهائي بشأن وجود منطقة واحدة يمكن وصفها بأنها "مركز الوعي".

وتشير نتائج حديثة إلى احتمال أن يكون الوعي أكثر تعقيدًا من كونه حالة ثنائية بين الوجود والغياب. ففي تجارب أجراها جايديب بانديت، استشاري التخدير في مستشفيات جامعة أكسفورد، استخدم الباحثون التخدير إلى جانب دواء لإرخاء العضلات، مع إبقاء الساعد خارج تأثير الدواء، وتمكن نحو ثلث المشاركين من تحريك أيديهم استجابة لأوامر رغم عدم ظهور مؤشرات واضحة على أنهم مستيقظون.

وربط بانديت هذه النتائج باحتمال وجود "حالة ثالثة" بين الوعي واللاوعي، فيما تشير تقديرات إلى أن نحو مريض واحد من كل 15 ألفًا يخضعون للتخدير العام قد يتذكر بعض تفاصيل العملية بعد الإفاقة، وهي الحالة المعروفة باسم "الوعي العرضي".

وفي اتجاه آخر، درس عالم الأعصاب أندريا لوبي من جامعة كامبريدج التغيرات التي تطرأ على الاتصال بين مناطق الدماغ أثناء التخدير باستخدام التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي.

وأظهرت أبحاثه أن الدماغ تحت تأثير التخدير يصبح أقل تميزًا من حيث أنماط نشاط مناطقه، كما تتراجع الاتصالات بعيدة المدى بينها مقارنة بحالة اليقظة، ما يشير إلى أن الوعي قد لا يكون مرتبطًا بمنطقة واحدة، وإنما بقدرة مناطق متعددة على تبادل المعلومات والتنسيق في ما بينها.

وتختلف هذه النتائج عن تأثير بعض المواد المهلوسة، إذ تشير أبحاث أخرى إلى أن مواد مثل السيلوسيبين وLSD قد تزيد من مسارات الاتصال بين مناطق مختلفة من الدماغ، بينما يبدو أن التخدير يقلل هذا التواصل.

ويرى العلماء أن دراسة التخدير توفر فرصة فريدة لفحص الدماغ خلال انتقاله بصورة يمكن التحكم فيها ومراقبتها من حالة اليقظة إلى فقدان الوعي، وهو ما قد يساعد في فهم الأسس العصبية للتجربة الواعية.

ومع ذلك، لا يزال تفسير طبيعة الوعي وآلية نشوئه أحد أكبر الأسئلة المفتوحة في علم الأعصاب، في ظل محدودية المعرفة الحالية بالتغيرات التي تحدث في الدماغ خلال الانتقال بين حالات الوعي المختلفة.