الحرب الإقليمية: من وحدة الجبهات لتفككها
نشر بتاريخ: 2026/10/02 (آخر تحديث: 2026/10/02 الساعة: 18:22)

بينما يبدو الرئيس الأميركي وحزبه الجمهوري «مستسلمين» لقدرهما السيئ في الانتخابات النصفية، التي بات حسم نتيجتها معلقاً بما يجري في مضيق هرمز، لا يزال بنيامين نتنياهو رئيس الحكومة الإسرائيلية، يحاول تجنب تقاعده السياسي، لكنه تلقى في الأيام الأخيرة، وقبل شهر فقط من انتخابات الكنيست السادس والعشرين، عدة صفعات، بعد أن ظن أن حلفاءه من خارج إسرائيل، يمكنهم أن يقدموا له «القشة» التي يمكنها أن تنقذه من الغرق الداخلي، وكانت صفعته الأولى في نيويورك، حيث لم يتوقف الأمر على انسحاب وفود 77 دولة، مثلت أغلبية دول وشعوب العالم، من قاعة الجمعية العامة للأمم المتحدة، حين اعتلى المنصة ليقلي خطابه «الانتخابي» الدولي، ولا على التظاهرات المنددة بوجوده في القاعة الأممية، ولكن في عدم اجتماعه مع ترامب، الرجل الذي كافح - لمن يتذكر - ليواصل حرب الإبادة، لحين فوزه بانتخابات الرئاسة الأميركية عام 2024، وذلك ليبقي فرصة تحقيق مشروعه الاستعماري التوسعي في الشرق الأوسط، المسمى، إسرائيل الكبرى قائمة.

وفعلاً أضاف نتنياهو إلى حرب الإبادة التي شنها طوال أكثر من خمسة عشر شهراً، متكئاً على الحليف الأميركي بإدارة الديموقراطي جو بايدن، وانحصرت في كل من غزة والضفة ولبنان، مع ضبط أميركي لطموحه في توسيع دائرة الحرب لتشمل إيران بالذات، أضاف عاماً ونصفاً آخرين، وفرهما له وجود ترامب في البيت الأبيض، وحقق له ما كان يحلم به، من شن الحرب على إيران، لكن المفاجأة كانت أنها لم تسقط، وها هي سبعة أشهر كاملة قد مرت على شن حرب الأربعين يوماً، الإسرائيلية/الأميركية المشتركة، دون أن تسقط إيران بما يحقق حلم نتنياهو بقيام إسرائيل الكبرى، المهيمنة على الشرق الأوسط، وبما يحقق ما يسعى إليه ترامب من تثبيت أركان النظام العالمي الأميركي، الذي تلا الحرب الباردة، وسبق لأميركا أن شنت عدة حروب، سواء كانت تلك التي شنتها في البلقان أو العراق أو أفغانستان من قبل، من أجل تحقيق هذه الغاية.

لكن انخراط ترامب منذ حزيران العام 2025 في الحرب الإقليمية في الشرق الأوسط إلى جانب نتنياهو، كان ثمنه أن تحكم هو أولاً بمصير الحرب ذاتها، بحيث بات ترامب من يقرر طبيعة إيقاعها بين العمل العسكري والتفاوض.

والأهم أنه في الوقت الذي شارك فيه نتنياهو بتوجيه الضربة العسكرية الخاطفة لإيران في ذلك الوقت، قاد عملية تبريد الجبهات الأخرى، وقد بدأ مع حوثي اليمن بتوقيع اتفاق ثنائي، دون علم شريكه الإسرائيلي في الحرب، ومن ثم التوصل لاتفاق مع لبنان، تلاه التوصل لتوقيع الاتفاقية التي عرفت باسمه في غزة، ولم يقتصر الأمر عند هذا الحد، بل مع مرور الوقت، ظهرت حالة تفكك لوحدة الجبهات، بالنظر إلى تبريد حالة الحرب الإقليمية في جبهات: اليمن، لبنان، ثم غزة، مع تسخينها في إيران، ومن ثم «فك شراكة القتال الميداني» بين أميركا وإسرائيل، فإسرائيل تواصل تنفيذ ما تسمى العمليات العسكرية في لبنان وغزة والضفة، وحتى سورية، فيما تفرغت أميركا لمواجهة إيران، إن كان عسكرياً أو تفاوضياً.

بالمقابل لم تعد الحرب، خاصة في الفترة ما بين توقيع اتفاق وقف الحرب مع لبنان، والتوقيع على مبادرة ترامب في غزة، متلازمة على صعيد جبهات المقاومة، أو على صورة جبهات إسناد مع جبهة غزة، لذلك يمكن القول، إن «نتيجة الحرب» أو بمعنى أدق ما سينجم عن الحرب من نتائج سياسية بالدرجة الأولى، ذلك أن النتائج الأخرى، البشرية والاقتصادية، قد تحققت إلى حد كبير، كخسائر باهظة في غزة ولبنان والضفة، وكذلك خسائر اقتصادية هائلة في غزة، وكبيرة في لبنان، مقابل خسارة دبلوماسية - سياسية غير مسبوقة لإسرائيل، المهم أن النتائج السياسة لن تكون بالضرورة واحدة على كل الجبهات، وهذا يعتمد بدرجة كبيرة على نتائج الانتخابات التي ستُجرى في كل من إسرائيل وأميركا.

وكما يحدث عادة مع المركب حين يغرق، لا يعود من فيه يفكر في غيره بقدر ما يفكر في نفسه، وفي هذه الحرب يمكن القول إن عدم حسمها عسكرياً مبكراً، كان سبباً فيما لحق جراءها، من دمار وخسائر بكل الأطراف التي شاركت فيها، وإن يكن قد حدث ذلك بنسب متفاوتة، وكما أشرنا قبل قليل، ومن قبل في أكثر من مقال، فقد كانت الخسائر البشرية والاقتصادية الهائلة من نصيب غزة بالدرجة الأولى، وبالنظر إلى طرفي الحرب من هذه الزاوية على أنهما كانا جانبين وليس جانباً واحداً، فخسائر إيران والحوثي البشرية والاقتصادية كانت أقل من خسائر فلسطين ولبنان، بينما حققت إيران والحوثي أرباحا حتى اللحظة، قد لا تكون نهائية، لكنها مهمة على الصعيدين الاقتصادي والسياسي، نقصد بالتحديد سيطرتهما على كل من مضيقي هرمز وباب المندب، على التوالي.

بالمقابل، كانت خسائر أميركا البشرية والسياسية أقل من إسرائيل، أما إسرائيل فقد حققت بدورها إنجازات غير نهائية، تتمثل في الخطوط الصفراء في غزة ولبنان، والتوغل في الأرض السورية، مقابل خسائر أميركية في النفوذ، سواء على مستوى قواعدها العسكرية، في المنطقة، أو نفوذها في الممرات البحرية، كذلك خسرت أميركا على صعيد مخزونها العسكري الاستراتيجي، والأهم انشغلت عن التنافس الاقتصادي مع العالم، وعلى وجه الخصوص مع الصين، وها هي تقترب ولاية ترامب من إقفال نصفها، ولم تحقق شيئاً، بل وفي الوقت الذي هي تخسر فيه اقتصادياً، تواصل الصين نموها السنوي، بما يعزز من منافستها الحقيقية مع أميركا، وبما يعزز التجمع الدولي المناوئ للنظام العالمي الأميركي أحادي القطبية، على الصعيدين السياسي والاقتصادي.

إذاً في هذا السياق يمكن قراءة تراجع ترامب فيما يخص علاقته مع نتنياهو، الذي حقق معه رقماً قياسياً في عدد اللقاءات بين زعيمي البلدين عبر التاريخ، وفيما يخص لغته التهديدية ضد إيران، وهو حالياً بالكاد يهدد بالعودة للتصعيد العسكري بعد الانتخابات النصفية، بعد أن كان يطلق العنان لمصطلحات تدمير حضارة 5 آلاف سنة، أو إعادة إيران للعصر الحجري، وتدمير البلد بالكامل في غضون ساعات قليلة، وما إلى ذلك، وذلك يعود بالطبع، إلى أن تلك اللغة كانت تزيد من اشتعال أسعار النفط العالمية، وترفع من مؤشر التضخم الأميركي، وبالتالي، ذلك يعني تصويتاً سلبياً لحزبه ومرشحيه في صناديق الاقتراع.

حالياً يمكن القول، إنه ارتباطاً بعلاقة الاقتصاد العالمي، وكذلك لكون معظم دول الخليج وبحر العرب ضمن دائرة المواجهة الأميركية الإيرانية، فإن تلك المواجهة، تعتبر حالياً هي ساحة الاهتمام الأولى عالمياً وإقليمياً، فيما جبهات اليمن التي عادت للاشتعال مجدداً، وأدخلت مباشرة في ميدان الحرب السعودية، وأضافت تهديداً آخر بتوسيع نطاق الحرب، خاصة بعد الاتفاق الأمني الثلاثي: التركي، الباكستاني، السعودي، بينما ما زالت ساحات غزة، ولبنان، والضفة مشتعلة، تشارك في ساحاتها أطراف مباشرة وأخرى من وراء الكواليس، ورغم أنها تكاد تكون حرباً بمستوى اشتعال أقل مما كانت عليه في عامي 2024 - 2025، إلا أنها باتت من جانب واحد هو إسرائيل، دون رد عسكري ميداني لا من حزب الله ولا من حماس، بينما هناك من وراء الكواليس ردود فعل سياسية، تقف ضد تحقيق الأهداف الإسرائيلية من مواصلة الحرب، سواء تهجير غزة، أو تطهير عرقي في الضفة، أو مواصلة احتلال جنوب لبنان، وذلك من دول الجوار: مصر، والأردن، ولبنان، وأخيراً دخلت على هذا الخط الدولة السورية.

المهم أن انحسار منسوب الحرب، عما كانت عليه خلال عامي 2024 - 2025، من حرب شرسة، لتحقيق أهداف كبيرة وبعيدة المدى، يعني أن تحقيق تلك الأهداف قد تبدد، وأن النار ورغم أنها لم تنطفئ تماماً، إلا أنها في طريقها إلى الانطفاء، والسبب في عدم التدخل لإطفائها، من خلال إعلان رسمي بإنهاء الحرب، إن كان باتفاق ما بعد التفاوض أو دونه، يعود، لأن الطرف الذي أشعلها وواصل إشعالها، وهو الطرف الإسرائيلي/الأميركي، يتجنب إعلان وقف الحرب، لأن ذلك يعني إقراراً بالهزيمة السياسية، والتي تؤكد هزيمة كل من نتنياهو وترامب انتخابياً، ولهذا باتت الحسابات الانتخابية لكليهما، لا تحدد مستقبل الحرب ووقفها في الشرق الأوسط وحسب، بل تحدد علاقتهما ببعضهما أيضاً، وإذا كان نتنياهو قد رغب بقوة في عام 2024 في فوز ترامب بانتخابات الرئاسة، حتى يدعمه ذلك في مواصلة حرب الإبادة، فإن فوز نتنياهو، لا يشكل حافزاً لدى ترامب حالياً، بل إن الرئيس الأميركي، لم يبد أي تحيز لأي مرشح إسرائيلي.

أما الصفعة التالية، فقد جاءت من أبو ظبي، حين ذهب إليها نتنياهو بهدف معلن وهو إعلان رسمي إماراتي بنفي التحذير المسبق لطوفان الأقصى، وكل هذا يدل على أن «حلفاء» إسرائيل قد ضاقوا ذرعاً بنتنياهو.