نتنياهو وترامب: أيهما الصورة، وأيهما الأصل؟
نشر بتاريخ: 2026/10/22 (آخر تحديث: 2026/10/22 الساعة: 17:40)

ليس في هذا التساؤل أي شكل من أشكال المقارنة التي قد تبدو للوهلة الأولى هي المقصودة بهذا التساؤل، ولا المقصود هو أيهما الأصل وأيهما الفرع، وطبعاً لا يمكن أن يكون المقصود هو القوة والقدرة التي يمتلكها كل واحد منهما، وليس المقصود حتى سؤال التابع والمتبوع بالرغم من التباس هذه المسألة أحياناً، وكذلك وأخيراً ليس المقصود أيهما أكثر حنكة، وأعمق تجربة أو اقتداراً، لأنه في ميزان كهذا الأمر لا يحتاج إلى أي نباهة.

في بعض الأحيان لا نحتاج إلى هذا المنطق لمعرفة الجوهري في المقصود من مثل هذا التساؤل، بل نحتاج إلى منطق آخر، منطق يبدأ بفرضية أخرى، وتبدأ بالإجابة عن التساؤل بتساؤل مغاير، وهو: هل هناك أصل أو صورة؟ أم أنهما معاً هما الصورة وهما الأصل، وهما معاً الأصل والفرع معاً، وهما معاً القوي والأقوى، وهما التابع والمتبوع.

أُدرك جيداً أن هذه المسألة تُثير جدلاً، وهي قد أثارت بالماضي، وستظل تُثير هذا الجدل باعتبار أنها مسألة إشكالية على درجة عالية ومُركبة في الحقل النظري الفكري، وفي الحقل السياسي والثقافي أيضاً.

وما أود أن أزعمه هنا هو أن نتنياهو ليس ظاهرة إسرائيلية، أو مجرد ظاهرة إسرائيلية، نتنياهو هو الذي دشّن مرحلة الكونية الإسرائيلية، أو لنبسط الأمر بالقول إن نتنياهو هو الذي تزعّم هذه الكونية بعد أن نضجت الظروف التاريخية، وقد ساهم بصورة فعّالة ونشطة بإنضاجها وقاد هذا التحوُل، وهو ليس سوى التعبير الأبرز عن التحول الأكبر في منظومة التوحش الغربي، وهي نفس المنظومة التي أنتجت الرئيس ترامب في أميركا، والتي أنتجت هوامش مماثلة في بلدان أخرى، وهي نفس المنظومة التي أنتجت حواضر فكرية في حقول الإعلام والسياسة والثقافة والفن، وتحوصلت في منظومات من التوحش والتشكيل العصابي في إدارة الدولة والمجتمع، وفي إفساد المؤسساتية التي تقف في وجه هذه المنظومة.

نحن نتحدث هنا عن منظومة متجانسة من أنوية صلبة للأنجلو سكسونية الجديدة، وعن بقايا من الإرث الاستعماري الدفين، وعن قوى اقتصادية واجتماعية لها مرتكزات ومصالح عميقة وخصوصاً في الرأسمال المالي وتكنولوجيا التصنيع العسكري في مجالات عالية التخصص للتدمير والإبادة والبطش، بالاستناد إلى قواعد اجتماعية وشعبية قطيعية السمات ورثّة الثقافة السياسية.

وبهذا المعنى فنحن هنا أمام نسخة طبق الأصل عن واقع مُوحّد وواحد وعن عملية تاريخية واحدة، مُتجانسة، وغالباً مُنسّقة ومُنسجمة.

أعود الآن لسياق الصراع في الشرق الأوسط لأُبيّن وأُحاول أن أشرح فكرتي حول التساؤل في عنوان المقال.

قُلنا، إن ترامب ونظيره نتنياهو قد أخفقا حتى الآن في حربهما على إيران والتي تجاوزت كل حدود البطش والإجرام بعد فصول التدمير والإبادة في غزة ولبنان.

وهما يوشكان على استكمال خطة تدمير الإقليم إذا ما أخفقا من جديد في ضمان بقائهما على رأس السلطة في الحالة الإسرائيلية، وفي موقع السيطرة على مجلسي النواب والشيوخ في الحالة الأميركية بعد أن تأكدا معاً وبالملموس زيادة ورطتهما المشتركة في اليمن، وبما يصل كما أرى إلى محاولة توريط البلدان العربية الخليجية ليزداد الدمار والأذى الذي لحق بهذه البلدان حتى الآن بسبب الحرب العدوانية الأميركية الصهيونية على إيران.

وبما أن هناك من يرى أن كل ما يهدف له ترامب من خلال المناورات الجديدة بالتلويح بالحرب إنما هو إيجاد الغطاء اللازم لإيجاد المبرر المطلوب للانسحاب من الإقليم على طريقة ونهج أوباما، لأن حقائق الصراع والتوازن الدولي، وهي حقائق عنيدة كما هي كل حقائق، باتت تفرض نفسها عليه. بل ويرى (ومنهم أصدقاء أحترمهم وأحترم آراءهم) أن بعض هذه المناورات تعود لتخوفات ترامب وظليله نتنياهو من انفلات دول الخليج من الهيمنة الأميركية فإن توضيح وشرح ما يمثلانه كلاهما (أي ترامب ونتنياهو) من نهج وسياسة، ومن أهداف ومخططات يصبح على أعلى درجات الأهمية والأولوية والمسؤولية أيضاً.

لقد ضحى كل من ترامب وقرينه نتنياهو عملياً بأوروبا. ولولا أن القيادات الرسمية الأوروبية قد تورطت على مدار العقدين الأخيرين على الأقل بالمشاركة الرسمية الأوروبية في معظم سياسات الهيمنة الأميركية والصهيونية، بما في ذلك البلطجة المباشرة والمفضوحة، لما كان ردود فعلها على عملية البيع التي قام بها ترامب لأوروبا على هذه الدرجة الباهتة والذليلة.

والورطات الأوروبية وصلت إلى درجة التنكر للمصالح الوطنية في بعض بلدان القارة العجوز، بل وهناك من يذهب إلى حد وصف درجة التبعية والتذلل الأوروبي بالخيانة الوطنية.

الأزمة التي تعصف بأوروبا الآن، أليست في شق كبير منها بسبب حروب ترامب وقرينه نتنياهو؟ ثم أليست في شقها الآخر بسبب التحاق أوروبا بالبلطجة الأميركية والسكوت على جرائمهما.

من يبيع أوروبا، ويُريد بأي ثمن أن تنتهي الحرب في أوكرانيا لعقد صفقات مع روسيا، ويتدخل علناً لإجبار أوكرانيا على القبول بإنهاء الحرب بأشد أنواع الضغوط، من يُقدم على إلغاء صفقة السلاح مع تايوان ويُريد أن يحل كل ما يمكن حله مع الصين، وكل ذلك بهدف مُعلن وهو منع الدعم الروسي والصيني عن إيران، من يفعل كل ذلك، ويُقدم على كل ذلك بهدف واحد وحيد وهو قطع الدعم، وخصوصاً العسكري عن إيران لا يمكن أن يكون هدفه هو الانسحاب من الشرق الأوسط ولا يمكن أن تكون أهدافهما (ترامب ونتنياهو) إلا إحكام السيطرة على إقليم الشرق الأوسط باعتباره الإقليم الوحيد الذي يُبقي المصالح الأميركية في موضع المنافسة، ويبقي الدور العالمي للولايات المتحدة والمكانة الأميركية في موقع متقدم إن لم يكن في المقدمة، ولا يمكن أن يتحقق للولايات المتحدة ضمان ذلك إلا بالدور الإسرائيلي، وبدور نتنياهو تحديداً ما دامت إمكانية بقائه على رأس الحكومة الإسرائيلية ممكنة أو حتى محتملة.

أوهام وأحلام زائفة تلك التي تتحدث أن ترامب يُفتش الآن عن مصالحه مع روسيا والصين حتى لو كلفه الأمر الانسحاب من إقليم الشرق الأوسط.

هو لا يملك فرصة هناك لأن روسيا ستحسم الحرب لصالحها، أوروبا أُنهكت بجهود ترامب، وجهود قادتها، وحلف الناتو يُنازع الموت أو يكاد، والصين تتقدم في كل المجالات، وتتفوق في المجالات الإنتاجية والحيوية، ولن تتخلى عن استعادة تايوان تحت أي ظرف، ولا أمل باللّحاق بها اقتصادياً، أو منافسة روسيا نووياً، فأين هي فرصة الانجلو سكسونية المتوحشة الجديدة سوى الشرق الأوسط؟

لا يوجد شيء من هذا القبيل، ولا يوجد إلا الشرق الأوسط.

قلنا في سياق المقالات السابقة، وحتى عندما تساءلنا فيما إذا كان نتنياهو قائداً تاريخياً إن درجة تأثير نتنياهو هي درجة هائلة بسبب طبيعة نهجه ودرجة عدوانيته ومستوى توسعيته وأطماعه وجذرية أهدافه، وحقده الدفين على كل ما هو فلسطيني، وعدائه الشديد لكل ما هو عربي وحتى مسلم، إضافة إلى قدراته السياسية الخارقة في المناورة والخداع والتلاعب وحتى الغدر والتآمر.

من هنا وعلى أساس كل ذلك فإن كسر الحلقة السياسية في إسرائيل عن طريق قطع الطريق على نتنياهو سيُمثل أكبر ضربة قاصمة لكل التوجه الأميركي للهيمنة على منطقة الشرق الأوسط، وضربة قاصمة لمخططات إسرائيل الكبرى، وهي فرصة تاريخية جديدة لمنع الثنائي الشرير من استباحة لبنان وغزة لأن دولة تعيش أكبر أزماتها منذ التأسيس، وليس أمامها بعد انتهاء مرحلة نتنياهو سوى ترميم الدولة من الأساس وحتى الرأس، لأن كل ما في إسرائيل وصل إلى مرحلة الخراب، وكل علاقاتها وصلت إلى ما هو دون الحضيض.

أما إذا خسر ترامب الانتخابات النصفية، وخسر الغرفتين معاً فأغلب الظن أن ترامب نفسه، ونهجه، وكل ما قام به من عبث وتخريب وإجرام يكون قد بدأ بلفظ أنفاسه الأخيرة حتى قبل نهاية ولايته القانونية.

نحن في أغلب الظن ذاهبون أولاً إلى كسر الحلقة الإسرائيلية ومنها إلى كسر الحلقة الأميركية، فمن العبث والغباء المراهنة على أحصنة خاسرة لا محالة، ومن العبث والجنون أن نكون جزءاً ولو بهوامش محدودة من حروبهم، ومن حروب انتخاباتهم على وجه الخصوص، وسنعود إلى حروب الانتخابات في قادم المقالات.