أميركا بين ضبابية الحرب ورمادية الحل السياسي
نشر بتاريخ: 2026/11/02 (آخر تحديث: 2026/11/02 الساعة: 13:36)

مع أن الرئيس الأميركي يفتقد لكل منطق نعرفه وكل منطق متعارف عليه فإننا ونحن نحاول هنا في الإقليم، كما في كل بقاع الكوكب أن نفهم هذا الرئيس، وان ندرك ما الذي يدور في رأسه؟ وما هي أهدافه الحقيقية؟ وما الذي يرمي إليه من وراء كل ما يقوم به من بهلوانيات سياسية؟ ونحن نحاول أن نجد او نرى، او حتى نلاحظ او نلحظ أي منطق من أي نوع كان، إلا أن الفشل يكون دائماً هو حليفنا، كما هو حليف كل من يحاول أن يجد ذلك المنطق واغلب الظن أننا نفتش عن منطق ليس موجوداً إلا في مخيلتنا نحن، لأن الرئيس ليس لديه ما نبحث عنه.

مع ذلك، نحن لدينا ما يكفي من الدلائل والمؤشرات والوقائع التي تقف وراء تلك البهلوانيات، ولدينا ما يكفي من الإثباتات التي نفسر بها مجمل منظومة المفاهيم والمقولات التي تقوم عليها الترامبية في الحقل الفكري والثقافي، وفي الحقل السياسي والاجتماعي، وفي الحقل الاقتصادي قبل كل شيء.

ومن هذه الزاوية، فقد كان النجاح مُبهراً في الكشف عن حقيقة ما تمثله الترامبية من جوهر، وما تنطوي عليه من مضمون، وما تتميز به من مظاهر، ومن أشكال تعكس حقيقتها، والفكر السياسي الذي تجشم عناء هذا الكشف هو الأوسع انتشاراً في معظم مراكز البحث والدراسة، ولدى أعداد هائلة من المهتمين والمختصين.

باختصار وتكثيف، فإن الترامبية هي نتاج مرحلة تعفّن الرأسمالية في طورها المتوحش، وهو الطور الأخير من انحدار النيوليبرالية في ظل تراجع الدور الإمبراطوري للولايات المتحدة، وفي ظل بدء الأفول لنظام الهيمنة الأحادية التي كرستها في العقود الثلاثة الماضية.

أي أن الترامبية هي منظومة خاصة ناتجة عن أزمة شاملة في الدور الاستعماري، وعن تراجع تاريخي، وليس مجرد أزمة دورية مؤقتة، وهي منظومة عنصرية فاسدة، ولها الكثير من مقومات التحول الى فاشية جديدة، وتمتلك مؤشرات عالية على هذا التحول في التعبير عن تحالف رأس المال مع الصناعات العسكرية وتكنولوجيات التحكم والقوة، وتدير استراتيجياتها بأساليب بونابرتية متسلطة، وبأشكال مبتذلة من النظام الزبائني في الإدارة، وهي زبائنية الولاء التي تنتمي للعهود الفاشية السافرة. وهي تحاول بكل الوسائل، السيطرة على مقومات ومقدرات الدولة الأميركية لصالح الطغمة الجديدة، وبتجاوز كل مؤسساتية ليس على المستوى الأميركي فقط، وإنما على المستوى الدولي الشامل، وذلك بالنظر الى أن أزمة الولايات المتحدة هي أساساً أزمة الدور والمكانة العالمية.

ولأن نظام الهيمنة الدولي للولايات المتحدة هو المهدد الأول فإن الولايات المتحدة نفسها تعيش مرحلة التهديد المصيري، وقد ينتقل هذا التهديد من المرحلة المصيرية الى المرحلة الوجودية في حال إن تطورت الأمور إلى مستويات خطرة ومغامرة من السياسات الترامبية.

في السنتين الأخيرتين، انتقلت الترامبية الى نظام البلطجة السافرة، وأصبح تهديد الدول هو المظهر الرئيس في السياسات الخارجية، وتحولت العقوبات والتهديدات إلى المنظومة الأولى في العلاقات الاقتصادية والتجارية، وتحول الحصار والابتزاز الى الأسلوب الرئيس بالعلاقة مع مؤسسات الأمم المتحدة، ومع منظمات ومؤسسات القانون الدولي، وتحولت البلطجة السياسية الى عرف سياسي سائد، وانتقلت علاقات الولايات المتحدة من دائرة التعاون الى دائرة العداء، وتحول التنافس الى دوائر التهديد، وانتهت الأمور إلى كارثة سياسية على الولايات المتحدة بأن فقدت الجزء الأكبر من دائرة تحالفاتها الدولية، وفشلت سياسة الابتزاز والبلطجة بإخضاع عشرات الدول المستهدفة من هذه السياسة، ولم تتمكن من بناء منظومة تحالف واحدة باستثناء نجاحها النسبي في سورية وفي فنزويلا، وهي نجاحات تقول كل المؤشرات، إنها مؤقتة، وستنتهي بعد أفول الترامبية التي باتت على الأبواب.

انتكست السياسة الأميركية في حروبها الاقتصادية ضد الصين، وانهارت العقوبات الأميركية ضد روسيا، وتركت نظام زيلينسكي يواجه مصيره الأسود، وانهارت مراهنة الترامبية على فاسدي أميركا اللاتينية، وخسرت كل مراهناتها على تجاوب أحد في هذا العالم سوى نتنياهو، وسوى حالة الهوان العربية في الشرق الأوسط.

وحتى في الشرق الأوسط فإن الأمور تسير من سيئ إلى أسوأ، وسقط الحليف الأكبر والأهم وهو نتنياهو، وفي أغلب الظن هو في الطريق الى السقوط التاريخي، وليس فقط مجرد السقوط في الانتخابات، وحتى حالة الهوان العربية في الإقليم فيبدو أنها لن تدوم طويلاً بعد أن تبين لبعض العرب على الأقل أن ترامب ليس معنياً بالدفاع عن مصالح هذه الدول بقدر ما هو معني بمصالح الولايات المتحدة، ومن ضمنها، وعلى رأسها المصالح الصهيونية، ومصالح نتنياهو قبل أي فصيل صهيوني آخر.

وإذا صحت الأنباء عن أن تفاهماً قد تم التوصل إليه بين وفد حلف مكة وبين إيران حول أهمية وضرورة الاعتماد على نظام إقليمي جديد لمنطقة الخليج سيكون ترامب قد فقد كل شيء، ولم يتبقَ لديه سوى أن يتراجع كلياً عن سياسات البلطجة، ومرة والى غير رجعة، أو الذهاب الى مغامرة عسكرية تحمل في طياتها كل المخاطر على الولايات المتحدة نفسها وعلى دول المنطقة بل وعلى الأمن والسلم في العالم كله.

فما هي خياراته المتبقية، والى أين سيتجه قبل يوم واحد من الانتخابات النصفية، والتي هي انتخابات مصيرية بكل المعاني والمقاييس، ليس على أميركا فقط، وإنما على العالم كله.

كل الاستطلاعات والتوقعات تقول، إن الحزب الديمقراطي ذاهب نحو السيطرة الكبيرة على مجلس النواب، وبفوارق كبيرة، ونفس هذه الاستطلاعات والتوقعات تقول، إن سيطرة الحزب الديمقراطي على مجلس الشيوخ مرجحة أيضاً.

إزاء هذا الواقع، لماذا لم يشن ترامب حربه على إيران التي يهدد بها ليلاً نهاراً، ويقول، إنها ستكون ساحقة ماحقة، وإنها ستحسم الأمور نهائياً في غضون عدة أيام فقط؟

أليس شن هذه الحرب، الخاطفة والمباغتة والحاسمة قبل الانتخابات هي الوصفة الوحيدة القادرة على تخليص أميركا من أزمة الطاقة، وأزمات المضيق في هرمز، وأزمة الأمن في الخليج، وأزمة الأمن الوجودي للدولة الصهيونية؟ وحتى أزمة الأسواق العالمية، والبورصات العالمية؟ أليست هي بدورها كانت ستُحل لمصلحة أميركا، ومصلحة الغرب، ولمصلحة ترامب قبل الجميع، ولمصلحة الترامبية والحزب الجمهوري؟

إذا كان ترامب واثقاً كما يقول، إن حرباً كهذه ستحل كل المشاكل، وستُنهي الصراعات، وانه سيحسمها لصالحه، وهي مضمونة النتائج فماذا ينتظر؟ ولماذا لم يشن هذه الحرب قبل شهر او شهرين من موعد الانتخابات لحل كل الأزمات، ولضمان النجاح في الانتخابات ليس له وحده، وإنما لقرينه وشريكه وصديقه نتنياهو؟

وماذا سيستفيد ترامب من الحرب بعد الانتخابات النصفية؟ وبعد أن يكون قد خسر كل شيء؟ وبعد أن يكون قد تحول إلى رئيس مكبل اليدين، ومرشح للملاحقة القانونية، وربما تنحيته دستورياً؟

وماذا سيستفيد نتنياهو من الحرب بعد أن اصبح مرشحاً قوياً للذهاب الى البيت وربما السجن إذا لم يخرج بجلده بالعفو المقدم له مقابل التنحي الطوعي العام.

وماذا ستستفيد دول الخليج إذا كان ثمن هذه الحرب التي ثبت بالملموس أن السبب الوحيد لعدم شنها على إيران هو الخوف الكبير من خسارتها؟ أليس الدمار هو النتيجة الحتمية لحرب كهذه ولدول الخليج، وليس فقط المصالح الأميركية في هذه الدول؟

أي حرب هذه التي ستُشن على إيران بعد أن تكون قد فقدت دورها في تحقيق أي أهداف سياسية او اقتصادية لمصلحة الجهة التي ستشنها؟

وأي حرب هذه التي ستُشن على إيران طالما هي حرب ليست ولا يمكن أن تكون خاطفة، وستكون طويلة ومُمتدة، وهي حرب استنزافية وابتزازية لطاقات الولايات المتحدة والغرب، والعالم، والجهة الوحيدة القادرة على تحملها هي ايران كما ثبت بالوقائع والحقائق التي أفرزتها الحروب السابقة.

هذه حرب إن وقعت بعد الانتخابات فهي حرب الانسحاب من إقليم مُدمّر، أو هي حرب للانقلاب على نتائج الانتخابات، أو هي حرب في خلفيتها أيديولوجية الصهيونية المسيحية المتطرفة، وذات النزعة الفاشية السافرة، وهي حرب لمجموعة من المهووسين من بيئة هذه الفاشية الجديدة.

أما الأرجح فهو الذهاب الى حل سياسي بأقل الخسائر الأميركية الممكنة، وهذا هو الخيار الوحيد، ولا خيار سوى الجنون بعينه.