متابعة خاصة – عمار البشيتي
مقابل الدبابة، وشارة النصر أمام المدرعات والمجنزرات وتحت تهديد الطائرات، حتى هذه المعادلة لم يكتف بها الاحتلال الإسرائيلي، الذي جرّب كل الوسائل، لإخماد الانتفاضة الفلسطينية الأولى ومحاولة السيطرة على الأرض الفلسطينية، وملاحقة أصحابها أحياءً أمواتًا.
يُصادف الثلاثاء الذكرى الـ 33 لاندلاع الانتفاضة الفلسطينية الأولى "انتفاضة الحجارة"، والتي اندلعت نهاية عام 1987 واستمرت 7 سنوات قبل قدوم السلطة إلى قطاع غزة والضفة الغربية عام 1994.
وتعدُّ "انتفاضة الحجارة" أكبر هبة جماهيرية يخوضها الشعب الفلسطيني بعد احتلال العصابات الصهيونية لفلسطين عام 1948، والتي أعادت الاعتبار للقضية الفلسطينية بعد نسيانها على مدار السنوات، وسلاحها الاستراتيجي "الحجر".
اشتعلت شرارة الانتفاضة الأولى يوم 8 ديسمبر/كانون الأول 1987 حيث كانت حادثة قيام سائق شاحنة إسرائيلي بدهس مجموعة من العمّال الفلسطينيين، بمثابة النقطة التي تحول عندها مسار الأحداث.
فقد شهدت الأراضي الفلسطينية انتفاضة شعبية واسعة شارك فيها كافة أبناء الشعب الفلسطيني في الداخل، مدعوما من قيادة فلسطينية بالخارج.
ففي الثامن من كانون الأول 'ديسمبر' 1987، كانت حافلات تقل عمالاً فلسطينيين عائدين مساءً من أماكن عملهم داخل المنشآت اليهودية في فلسطين المحتلة 1948 (داخل الخط الأخضر) إلى قطاع غزة، وحين كانت على وشك القيام بوقفتها اليومية أمام الحاجز الإسرائيلي 'بيت حانون' للتفتيش، داهمتها شاحنة عسكرية صهيونية، ما أدى إلى استشهاد أربعة عمال وجرح سبعة آخرين، جميعهم من سكان مخيم جباليا في القطاع.
وعقب تشييع الشهداء الأربعة، شاركت طائرات مروحية إسرائيلية جنود الاحتلال الذين كانوا برًا في قذف القنابل المسيلة للدموع والدخانية لتفريق المتظاهرين الغاضبين، وقد استشهد وأصيب في ذلك اليوم بعض المواطنين، وفرضت سلطات الاحتلال نظام منع التجول على بلدة ومخيم جباليا وبعض أحياء في قطاع غزة.
وفي 10-12-1987 تجددت المظاهرات والاشتباكات مع قوات الاحتلال، حيث عمت مختلف مدن وقرى ومخيمات الضفة الغربية وقطاع غزة في أكبر تحد لسلطات الاحتلال وإجراءاتها التعسفية ضد أبناء الشعب الفلسطيني.
تصريح أبرز قادة الانتفاضة الأولى
النائب ماجد ابو شمالة، وأحد رموز النضال الفلسطيني في الانتفاضة الأولى، كتب بمناسبة مرور 33 عاما على انتفاضة الحجارة: "في ذكرى انطلاق انتفاضة الكرامة التي أعادت الهيبة والحياة للشعب الفلسطيني وخطفت قلوب الجماهير العربية وأسماع وأبصار الجمهور الدولي وأجبرت المستوى الرسمي العالمي على الإنصات والاهتمام واحتلت صدارة الأخبار ووسائل الإعلام انتفاضة الحجر التي أوجعت ضمير العالم النائم رغمًا عنه أتوجه بالتحية إلى شعبنا العظيم وشهدائه وجرحاه وأتوجه بالتحية إلى رفاق لنا في الأسر ورفاق لنا غيبهم عنا الدهر وآخرين ما زالوا على الدرب يعيشون الحلم بوطن حر يحافظ على كرامة أبنائه".
وأضاف أبو شمالة: "في هذه الذكرى وبكل ما تحمل من مشاعر عشناها اختلط فيها الألم بالآمل والحزن بالفرح وكيف تقفز إلى العقل صور لرفاق حملناهم على الأعناق وآخرين يطاردون الاحتلال كما يطاردهم في أزقة المخيم وعشرات من قصص البطولة والتحدي والصمود والتضامن بين أفراد المجتمع يبقى شعبنا هو البطل الحقيقي لهذه القصة الملحمية الرائعة والتي لم يُروى حتى الآن أفضل منها".
وأردف أبو شمالة: "شعبنا البطل الذي انتصر على كل محاولات تغيبه وكسر إرادته وتزيف وعيه فانتفض من أجل كرامته وأثبت للعالم كله أنه حي ولن يتنازل عن حقه وحلمه بتحقيق مصيره وإقامة دولته على ترابه الوطني".
وقال: "ها هو العالم كله يساند الاحتلال محاولًا إعادة الكرة في تزيف وعي شعبنا وتحويل قضيته إلى قضية إنسانية معتقدًا أن هذا الشعب العظيم يمكن أن يدجن تحت وطأة المؤامرة والفقر والحصار لكن رهانه خاسر وقد أثبت تاريخ شعبنا ذلك مرات ومرات فإن الحل لن يأتي عبر بوابات الانبطاح والصفقات المشبوهة التي لن تمر فالحل يكمن فقط عبر إعطاء شعبنا حقه وتمكينه من حلمه الذي لن يتنازل عنه طال الزمن أم قصر".
ظهور الأذرع العسكرية
وظهرت خلال هذه الانتفاضة الأذرع العسكرية للفصائل الفلسطينية بمسمياتها الجديدة، ونفذت سلسلة عمليات فدائية من خلال إطلاق الرصاص والكمائن، وكذلك عمليات التفجير والتي أسفرت عن مقتل العشرات من جنود الاحتلال.
حملة اعتقالات شنتها قوات الاحتلال
وشرعت قوات الاحتلال فور اندلاع الانتفاضة بتنفيذ حملة اعتقالات كبيرة طالت الآلاف من الفلسطينيين، وافتتحت العديد من السجون والمعتقلات لاستيعاب المعتقلين الجدد.
ومن بين تلك السجون: "أنصار 2"، غرب مدينة غزة، و"النقب الصحراوي" (أنصار 3)، وكذلك سجن "عوفر" و"مجدو" في الضفة الغربية المحتلة.
خيار الحل السلمي وانتهاء الانتفاضة
وحينما أدركت قوات الاحتلال أن استخدام القوة لن يجدِي نفعًا في إيقاف الانتفاضة، لجأت إلى "الحل السلمي" ففتحت خط مفاوضات مباشرة مع منظمة التحرير.
أسفرت المفاوضات عن توقيع اتفاق "أوسلو" بين منظمة التحرير وحكومة الاحتلال يوم 13 أيلول/ سبتمبر 1993؛ والذي ينص على تأسيس السلطة الفلسطينية، التي تم تشكيلها بعد 6 أشهر، وبسط نفوذها في قطاع غزة ومدينة أريحا، وإدخال قوات الأمن الوطني الفلسطيني، وتشكيل الأجهزة الأمنية، وخروج قوات الاحتلال من داخل المدن وانتشارها على الحدود.
يُشار إلى أن انتفاضة الحجارة استمرت 79 شهرًا ما بين 8 كانون الأول 1987 - 1994، واستشهد فيها أكثر من 1500 شهيد فلسطيني وجرح حوالي 90 ألف فلسطيني واعتقل فيها نحو 100 ألف فلسطيني لمرة واحدة أو عدة مرات، وإبعاد قرابة 500 شخصية فلسطينية.