حركة فتح بين ميلاد الثورة وضرورة تصحيح المسار
نشر بتاريخ: 2021/01/02 (آخر تحديث: 2026/09/26 الساعة: 10:59)

راديو الشباب - خاص - عبدالله أبو شمالة

انطلقت حركة التحرير الوطني الفلسطيني فتح في الأول من يناير 1965 معلنة ميلاد الثورة الفلسطينية المعاصرة، وإعادة تصويب البوصلة الوطنية الكفاحية نحو فلسطين، بعيداً عن الوصايا والتبعية، على طريق استقلالية القرار الوطني الفلسطيني.

واستطاعت فتح  تغيير مجرى التاريخ ورسم معالم الوطنية الفلسطينية بسواعد و بنادق فداءيها من عيلبون البداية واستمرارا في تنفيذ العمليات المسلحة انطلاقا من الحدود الأردنية، مما أقض مضاجع جيش الاحتلال "الإسرائيلي" الذي كان يتلقى الضربات تباعا.

بعد نكسة الـ67، بدأ جيش الاحتلال يُعدّ العدة للقضاء على حركة فتح وقواعدها في الأردن، ومع بداية عام 1968 شَرعت "إسرائيل" بعمليات القصف الجوي للحدود الأردنية، وفي 21/3/1968 جهز جيش الاحتلال قوة عسكرية قوامها (15000) جنديا من قواته، وبدأ بالتقدم نحو بلدة (الكرامة) معقل قواعد حركة فتح، وبدأت المعركة التي استمرت ستة عشر ساعة متواصلة دُمرت خلالها آليات الاحتلال العسكرية، ولم يتمكن وزير الحرب "الإسرائيلي" "موشيه ديان" من حمل جثث قتلاه أو إسعاف جرحاه، واستطاعت فتح وبدعم من الجيش العربي الأردني من تمريغ أنف "ديان" في التراب، وتحطيم مقولة (الجيش الذي لا يُقهر).

وبعد أحداث أيلول الأسود عام 1970 غادرت قوات الثورة الفلسطينية الأردن باتجاه لبنان والحدود الشمالية لفلسطين المحتلة، وزرعت قواعدها العسكرية في جنوب لبنان، وفرضت معادلة التعايش مع الملاجئ على مستوطني مستوطنات شمال فلسطين المحتلة، بفعل صواريخ الكاتيوشا وغراد، وعمليات الإنزال والتسلل المتوالية للمجموعات الفدائية الفلسطينية مما جعل كيان الاحتلال ومستوطنيه يعيشون في حالة من الإرباك والهوس الأمني.

 وأصبح الفدائي الفتحاوي وعملياته البطولية كابوسا يؤرق منام جنرالات الحرب "الإسرائيليين" خاصة وأن حركة فتح وضعت الأهداف والمصالح "الإسرائيلية" حول العالم في دائرة الاستهداف من خلال ما اُطلق عليه حرب الأشباح التي كان يقودها جهاز الأمن الموحد بقيادة القيادي الفتحاوي البارز صلاح خلف أبو إياد حيث استطاعت منظمة (أيلول الأسود) الفتحاوية من تنفيذ عملية احتجاز للبعثة الرياضية "الإسرائيلية" خلال دورة الألعاب الأولمبية في مدينة ميونخ الألمانية بتاريخ 6/9/1972 والتي كانت تطالب بالإفراج عن (236) معتقلا من السجون "الإسرائيلية" وكذلك الإفراج عن "كوزو اوكاموتو" من الجيش الأحمر الياباني.

وضعت الأجهزة الأمنية "الإسرائيلية" قيادة فتح في دائرة الاستهداف بهدف التخفيف من خطورتها وتمكنت من اغتيال ثلاثة من أبرز القيادات الفتحاوية (أبو يوسف النجار، وكمال عدوان، وكمال ناصر) في بيروت بتاريخ 10/4/1973ولم يتأخر الانتقام الفتحاوي الذي رد بعملية انزال عبر البحر واستهداف فندق السافوي في قلب تل أبيب بتاريخ 6/3/1975 والتي أسفرت عن مقتل 100 يهودي بين عسكري ومدني  واستشهاد سبعة مقاتلين فتحاويين.

ولم يتوقف الانتقام لأرواح القادة الثلاثة وجاء الرد مزلزلا خلال عملية الساحل (عملية كمال عدوان) التي قادتها الشهيدة دلال المغربي في قلب تل أبيب بتاريخ 14/3/1978 وأسفرت عن مقتل 37 "إسرائيلي" وإصابة تسعة آخرين، وكانت تلك العملية سببا مباشرا لغزو لبنان في مارس 1978 خلال العملية التي أُطلق عليها عملية "اجتياح الليطاني"، التي كانت تهدف إلى القضاء على فصائل المقاومة الفلسطينية وفي طليعتها حركة فتح، والقضاء على بنيتها التحتية العسكرية في جنوب لبنان، والحد من عملياتها الفدائية ضد مستوطنات شمال فلسطين المحتلة.

عام 1981 حاول جيش الاحتلال بمعاونة جيش العميل (سعد حداد)  قصف قرى جنوب لبنان، فكان الرد الفتحاوي قاسيا وبدأت المدفعية الفتحاوية في دك حصون الجيش "الإسرائيلي" وعلى مدار سبعة أيام خلال ما عرف بحرب المدفعية حيث استطاعت فتح توجيه الضربة لـ33 مستوطنة بـ88 غارة صاروخية اطلقت خلالها ما لا يقل عن 1250 قذيفة  مما جعل رئيس حكومة الاحتلال "موشيه ديان" يستجدي وقف اطلاق النار.

وعاد جيش الاحتلال واجتاح لبنان في حزيران يونيو 1982، بهدف إخراج قوات الثورة الفلسطينية من لبنان، واستطاع الوصول إلى بيروت الغربية ومحاصرة قوات الثورة مدة ثمانية وثمانين يوما، في أطول مواجهة عسكرية عربية "إسرائيلية"، ويسجَل في تاريخ حركة فتح أكبر عمليات تبادل للأسرى بتاريخ 23/11/1983 حيث تمكنت فتح من اجبار "إسرائيل" على الإفراج عن 4700 معتقل فلسطيني ولبناني من معتقل أنصار في جنوب لبنان إضافة إلى 65 أسير من السجون "الإسرائيلية" مقابل اطلاق سراح ستة جنود "إسرائيليين" كانوا بحوزة حركة فتح . 

 بعد خروج بيروت صيف 1982 توجه الرئيس الراحل ياسر عرفات بقواته إلى ليبيا والجزائر واليمن، وجعل مقر القيادة في تونس العاصمة وعيناه تشخص صوب فلسطين التي اندلعت فيها الانتفاضة الشعبية المباركة، بتاريخ 9/12/1987، بمشاركة كافة جماهير الشعب الفلسطيني، والتي أعادت إحياء القضية الفلسطينية، وتعزيز مكانة منظمة التحرير الفلسطينية، وأدت إلى تفاهمات "أوسلو" في أيلول سبتمبر 1993، وتأسيس السلطة الوطنية الفلسطينية عام 1994، كأول كيان وطني فلسطيني فوق الأراضي الفلسطينية، ورضع أبناء حركة فتح لبناتها الأولى، وسخرت فتح كل طاقتها في تثبيت أركانها وتحديد معالمها من تأسيس البنية التحتية ومشاريع الإسكان وإنشاء مطار غزة الدولي ومشروع الميناء، وإرساء قواعد الديمقراطية من خلال إجراء أول انتخابات رئاسية وتشريعية عام 1996، ليصبح ياسر عرفات أول رئيس منتخب للسلطة الوطنية الفلسطينية، وأفسح المجال أمام المجلس التشريعي الفلسطيني ليمارس صلاحياته التشريعية، وأطلق العنان  للقضاء الفلسطيني للعب دوره في تثبيت قواعد الشفافية والنزاهة ومحاربة ومكافحة  الفساد. 

واستطاع ياسر عرفات مواجهة الصلف "الإسرائيلي" في كل المحطات، ولم يتوانَ في الرد على الاستفزازات "الإسرائيلية" في المسجد الأقصى في سبتمبر 1996(هبة النفق) ومحاولة فتح أنفاق تحت الحرم القدسي بحثا عن الهيكل المزعوم، فكان قرار أبو عمار لمغاوير الأجهزة الأمنية الفلسطينية توجيه بنادقهم صوب صدر المحتل، والذود عن حرمة المسجد الأقصى، وتجسدت  قوة وصرامة وشجاعة ياسر عرفات وحركة فتح عندما حاول شارون تدنيس الأقصى يوم 27/9/2000، فكان رد أبو عمار بإعلان انتفاضة الأقصى في اليوم التالي، والتي استمرت خمسة أعوام دفع عرفات خلالها حياته  ثمنا في الدفاع عن الإرادة الفلسطينية.

وبعد أن حاصره الجيش "الإسرائيلي" في مقر المقاطعة برام الله، بالتزامن مع تنفيذ ما يسمى بعملية "السور الواقي" التي اجتاحت فيها "إسرائيل" الضفة الغربية، واستمر جيش الاحتلال في حصار أبو عمار ثلاثة سنوات حتى استشهاده بتاريخ 11/11/2004.

تبدلت أحوال حركة فتح بعد استشهاد ياسر عرفات، وضاعت هيبتها، ولم تعد حركة الجماهير الفلسطينية، بفعل تغيّب نظامها الداخلي وعمليات الإقصاء لكوادرها، وسيطرة نظرية المؤامرة على قيادتها الهزيلة التي أدارت ظهرها للقواعد العريضة، وجعلت الاتصال والتواصل مع جماهيرها من خلف المكاتب بعد غياب دور الطليعة، والاعتماد على التقارير الكيدية الخبيثة، وما نتج عنها من عمليات ذبح في اللحم الحي طالت خيرة كوادر وأبناء حركة فتح؛ الذين وجدوا أنفسهم على قارعة الطريق بعد أن مُورست بحقهم عمليات الفصل وقطع الرواتب وإحالة الآلاف منهم للتقاعد المبكر، وفقدانهم للأمان والعدالة الوظيفية ولأبسط حقوقهم في حرية التعبير، ولكن جذوة جماهير وقواعد حركة فتح لم تنطفئ وستنهض من تحت الركام وستُعيد للفتح عزها ومجدها التليد وستذهب تلك الطغمة المتسلطة إلى غياهب النسيان.