اليوم الاحد 07 مارس 2021م
صحة غزة: تسجيل 79 إصابة جديدة بفيروس كوروناالكوفية لبنان يسجل 33 وفاة و2377 إصابة جديدة بكوروناالكوفية عكرمة صبري يدعو إلى شد الرحال للأقصى في ذكرى الإسراء والمعراجالكوفية خاص بالفيديو|| صادق: لا صحة لتحالف التيار مع فصائل أخرى.. ونسعى لإزاحة الحجر عن قبر النظام السياسيالكوفية خاص بالصور والفيديو|| البابا فرنسيس في العراق.. يوم وطني للسلام وإعلان الانفتاح على الآخرينالكوفية الجزائر: 3 وفيات و130 إصابة جديدة بفيروس كوروناالكوفية الولايات المتحدة تسجل 29 مليون إصابة بفيروس كوروناالكوفية تعليق استخدام لقاح "أسترازينيكا" بعد وفاة امرأة في النمساالكوفية القدوة: شخصيات من الصف الأول في حركة فتح ستدعم الملتقى الديمقراطيالكوفية قمة الكرة الفلسطينية بين خدمات وشباب رفح تنتهي بالتعادلالكوفية القضاء الشرعي في غزة يصدر تعميما بخصوص المطلقة قبل الدخول والخلوةالكوفية مراكز حقوقية تطالب السلطة بتفعيل أوراقها لمحاكمة الاحتلال على جرائمهالكوفية الإعلام العبري يسلط الضوء على أزمة حزب العمل قبيل الانتخاباتالكوفية تأخر التحويلات الطبية يهدد حياة العشرات من الأطفال المرضيالكوفية إغلاق شامل يعم محافظة رام الله والبيرة لمدة أسبوعالكوفية إسرائيل تواجه الجنائية الدولية بخطة لحماية مسؤوليها وجنودهاالكوفية بالأسماء|| كشف "التنسيقات المصرية" للسفر من معبر رفح يوم الثلاثاءالكوفية أنا سلطان قانون الوجودالكوفية الدوري الممتاز: الشجاعية يقتنص تعادلا صعبا من الصداقةالكوفية مصر تعلن مشاركتها في الإشراف على الانتخابات الفلسطينيةالكوفية

سلطة المنهج وأفول المعرفة

10:10 - 23 فبراير - 2021
الكوفية:

صار الاعتناء بالمنهج أولى الأولويات لدى فئة كبيرة من المفكرين والباحثين بل أضحى أولى من تحصيل المتن وفصحه أو تشخيص الواقعات ورصد معالمها وأبعادها أو استجلاء غوامضها أو طرق أبواب معرفية غير مطروقة.

فبدلا من أن يكون المنهج وسيلة وأداة إجرائية لتشخيص وتحليل وتفكيك الواقعات والنصوص والظواهر السوسيو-تاريخية، أضحى هدفا، تبذل مجهودات كبرى في تكريسه مؤسسيا، وتأسيسه نظريا، وتأصيله ثقافيا. ومن الطبيعي، أن تخصص مساحات نقدية دفاعا أو نقدا ونقضا لمنهج من المناهج، و أن تستعر «حروب المناهج "،و أن يعمد البعض إلى تأصيل الماركسية أو البنيوية أو التفكيك تراثيا.

يقيم الفكر منهجيا بالدرجة الأولى وكأن مراعاة خطوات المنهج والصرامة الشكلية في البناء والاستدلال أولى من افتتاح مجال جديد من مجالات الفكر أو صياغة إشكالية مستحدثة أو فهم أبعاد ظلت مجهولة أو مخفية، أو استحداث فروع أو حقول معرفية كفيلة بإغناء الرصيد الثقافي العالم وتمكين الإنسان من معرفة واصفة أو كاشفة أو سابرة لأغوار المجاهل ومحققة للتجاوز المعرفي في سياقات تاريخية متقلبة.

لا تقاس جدارة النصوص النقدية والفكرية والتاريخية بقدرتها على استجلاء غوامض الفكر والوجود والتاريخ أو على تقديم فتوحات جديدة في معالجة قضايا القيم والأخلاقيات والسياسات العملية، بل بقدرة كتابها على احترام مقتضيات وآليات المنهج والاتساق في البناء والاستدلال والبرهنة وفقا لما يسمح به المنهج المعتمد.

صارت صناعة المنهج أولى من النظر والفكر ومن بناء المعرفة التاريخية والنقدية.

ما قيمة فكر لا تزيد براعته على استعارة المفاهيم والآليات والأجهزة التحليلية واستعمالها بقليل أو بكثير من النباهة والحذاقة؟ هل صار الفكر تقنيا محصورا في التكييف و إعادة الصياغة والتبيئة وتلوين المفاهيم والتأليف بين الآليات المستعارة والمستعملة في سياق التناهج ؟ما معنى فكر لا يقدم إضافة معرفية ولا يقدم مساهمة أصيلة في ملامسة القضايا المعرفية و الوجودية والقيمية –الأخلاقية ،ولا ينير مسارات السيرورة والصيرورة بكفاءة .؟

عثرات في استعمال المنهج:

كثيرا ما يغلب الانحياز إلى منهج من المناهج، الانهمام بالكشف المعرفي أو السبر واستكشاف المحتويات والأبعاد الخفية.

يفرض التسلح بالمنهج أحيانا، اختزال الواقع المعقد أو النص المجازي أو الاستدلالي المركب حتى يتطابق مع مؤدى المنهج المختار. والحال أن النصوص العالية والواقعات السوسيو-تاريخية هي أغنى وأخصب من أي منهج مستعار أو منقول أو مصاغ صياغة غير تركيبية.

إن التمسك بالمنهج والمنهجية أمر مطلوب في أي بحث جاد، طالما كان القصد إنارة النص أو إضاءة الواقع أو تفسير أو تعليل الظواهر المشكلة والسمات المعضلة.

من الطبيعي، بلورة وتركيب المنهج المطابق والملائم، وعدم اختزال النصوص والواقعات، حتى تطابق مناهج مستعارة أو مركبة بقليل من الدراية والتمكن والإحكام.

يحدث في كثير من الأحيان أن يفتن الباحث بالمنهج أو أن يخضع لمقتضياته أو يسلم بمسبقاته الفكرية –الفكرانية ويختزل بالتالي نصوصا ثرة وواقعات معقدة مندرجة في سياقات سوسيو-تاريخية أو إحداثيات ثقافية –حضارية معقدة؛ علما أن الباحث المتمكن يدير المنهج ويتحكم في توجيهه ويفرق بين الوسائل والأهداف والغايات.

يفضي الميل إلى منهج من المناهج إلى تبني كل ضمنياته، وإلى تطويع المادة المحللة والمفسرة والمؤولة بحيث تنسجم مع مقرراته؛ والحال أن المنهج ملزم بالتجاوب والتفاعل مع مقتضى النص أو الواقعة الاجتماعية أو التاريخية في المقام الأول. وهذا يفرض الحذر النظري من مسبقات المنهج ومضمراته الفكرية، والحرص على الجمع بين الاتساق المنهجي والاتساق الفكري.

المنهج المستعار:

ومن البين، أن المناهج المستعارة لا تناسب المتون والواقعات في الغالب، ولا تسمح بتحقيق فهم أعمق لها والنفاذ إلى مجاهلها وأعماقها، خاصة إذا تغلب الافتنان بالمنهج على الانشغال بفهم وتفسير ديناميات الواقع الاجتماعي أو السياسي أو آليات النصوص والخطابات في التفاعل مع الموروث الخطابي التراثي أو الحداثي وبناء الحقائق التوافقية.

يقود الافتتان بمنهج معين، إلى تحكيم مصادراته ومسبقاته وضمنياته الفكرية، في النصوص والواقعات واختزالها وإفقارها. والحال أن المادة المصدرية أو الوثائقية أو النصية هي الأساس المعتمد في اختيار المنهج أو تعديله أو تكييفه أو إعادة صياغته.

خلافا لما شاع ،لا تدل القدرة العالية على التنهيج وأجرأة المفاهيم والمقولات واستعمال الآليات النقدية ، بالضرورة على علو الفكر أو سمو التدبر أو عمق النظر.

المنهج المطبق والأنماط التعليلية :

فبدلا من الاعتناء بتحصيل المتن وتشكيله،و نفض الغبار عن وثائق ونصوص مجهولة أو غميسة ،والإحاطة الشاملة بالسياقات والمساقات الحافة بالنصوص أو الواقعات التاريخية ،يتم التركيز في بعض الكتابات التاريخية على تفعيل المنهج والبراعة في مداورته والإخلاص لرؤيته الكلية .

صار تفعيل المنهج أولى من استجلاء خفايا التاريخ الثقافي والاجتماعي والسياسي، أو قراءة ما لم يقرأ في النصوص والمتون العالية التراثية والمعاصرة. وفيما ينتظر من الباحث التنقيب في المظان الوطنية والأجنبية عن النصوص والوثائق، وإغناء الأرشيف الوطني، وتحقيق الواقعات وتعليلها وتأويلها، في ضوء السوابق والنظائر واللواحق، يهتم الباحث في التاريخيات غالبا، بتحقيق المطابقة الإجرائية بين المتن المنتقى والمنهج المتبنى.

إن المؤرخ معني هنا بالمنافحة عن جدارة وشمولية المنهج المتبنى أكثر من عنايته بالنفاذ إلى قيعان النصوص واختيار المقاربات و المناهج و الآليات الإجرائية الملائمة لفضائها وعالمها الدلالي.

يتم بلا تحوط منهجي، اختزال التاريخ المركب والمعقد، إرضاء لخيارات وآليات منهجية مقتبسة من تراث فكري –منهجي، ذي صلات وثيقة بالتاريخ الفكري والسياسي الأوروبي. والحال أن الواقعة التاريخية من التعقيد والتركيب بحيث لا يمكن تفسيرها أو تعليلها، بالإحالة الحصرية على الاعتبارات الاقتصادية أو الطبقية أو الاجتماعية.

(وفي هذا الإطار جرى إدراج حركة ابن حفصون التي ربطناها –لأول مرة-بالنظام الإقطاعي. وانتهت الدراسة إلى أنها حركة اجتماعية مناهضة للأوضاع الإقطاعية، و أن العصبية لم تكن حافزا على قيامها .كما كشفت عن بعدها الاجتماعي وتحامل المؤرخين عليها ، وعرضت لأهم أطوارها تبعا لتطور الحقبة الإقطاعية ذاتها .)1-

تتحول الفرضية هنا إلى حقيقة سوسيو-تاريخية يعمل المنهج على تقريرها. والحال أن المناهج موضوعة –أصلا-لإضاءة النصوص والظواهر والكشف عن تشكلها وتكونها وتحولها في مجرى الصراع المعقد بين الأنساق والنظائم والنظم السياسية.

يتطلب الاتساق المنهجي مراعاة خصائص المتن والنظام المعرفي والسياق التاريخي، وتجنب الإسقاطات المفضية حتما ولزوما إلى الإفقار الدلالي وإلى الاختزال المتعمد لواقعات متعددة الأبعاد والخلفيات. و لذلك يصعب الاكتفاء بالتعليل الاجتماعي – الطبقي لحركة عمر بن حفصون،و التعامي عن أبعادها وحيثياتها الثقافية والعقدية والتاريخية والرمزية.

وكما يتوجب الحذر من إخضاع النصوص لمسبقات منهجية مدركة أو غير مدركة، يتوجب استشكال ما تحفل به الكتابة التاريخية الكلاسيكية من تفسيرات وتعليلات وتقييمات.

(ونهض إلى باغه وجبل شيبة؛ فأخذ من الأموال ما لا يوصف، كل ذلك منه بلا قوة، ولا كثرة من مال، ولا عدد؛ ولكنه كان عذابا من الله ونقمة انتقم بها من عبيده. واتفق له زمان هرج وقلوب قاسية فاسدة ونفوس خبيثة، متطلعة إلى الشر ،مشرئبة إلى الفتنة .فلما ثار ،وجد من الناس انقيادا وقبولا للمشاكلة والموافقة ،فتألبت له الدنيا ،ودخل إلى الناس من جهة الألفة .. ) 2-

والواقع أن المؤرخ مطالب بالحذر من الركون إلى الأنماط التعليلية وإلى الاشتباك القوي بمحتويات ومحددات وسياقات النصوص والوثائق. لا بد إذن، من مراعاة ممكنات كل نظيمة معرفية، وإلا انتفت الفرادة واستحال الحدث التاريخي، وصار التأويل البعيد عماد التعليل في معرفة تصبو –نظريا –إلى الموضوعية والتدقيق والتحقيق.

(..إن أغلب المؤرخين لا يقدمون نظريات تفسيرية وإنما يلجؤون إلى أنماط تعليلية لا ترتبط بالوثائق المتوفرة إلا بتأويلات بعيدة ،و أن انتشار تلك الأنماط لا يكسبها أبدا موضوعية تاريخية .)3-

ومن الطبيعي، أن تضيع أصالة الكتابة التاريخية، إن صار " المنهج المطبق " المنهج المفضل، وصار الركون إلى الأنماط التعليلية عادة مكرسة.

التراث والمناهج المطبقة :

لقد تغلبت الانحيازات المنهجية على النقاش الدائر منذ أزيد من خمسة عقود حول التراث ،واتخذت المتون التراثية الفكرية والكلامية والفلسفية والتاريخية والبلاغية ،غالبا ،كمعابر لتسويغ مسبقات منهجية أو مقررات نظرية لا تتوافق بالضرورة مع محتوى نصوص لها مساقات وخلفيات ومقتضيات معرفية مختلفة .تقود الانحيازات المنهجية في الغالب إلى إفقار النصوص وتكييفها وإخضاعها لمقتضى المنهج المستعار بدل تكييف المنهج وإخضاعه لمقتضى النص ،وتغييب المقتضيات السياقية الكبرى للمدونات والمستندات التراثية ،والانكباب على جزئيات لا تفهم -عمقيا- إلا بربطها بحقلها الدلالي والتداولي الكلي .

ولذلك لم تسفر المشاريع المقدمة عن التراث لا عن تأصيل الحداثة ولا عن البرهنة على صلاحية المناهج المعتمدة ولا عن إبراز فرادة وجدارة النزعات المادية والعقلانية والتقدمية.

لقد استعملت المادية التاريخية والديكارتية والوضعانية والوجودية والفينومينولوجيا والبنيوية والتفكيك، في تناول أقسام مختارة بعناية إيديولوجية فائقة للتدليل على نجاعتها وقابلية المتون التراثية-أي العمق المعرفي –التراثي -للتجاوب مع موجباتها. وحيث إن الرؤية الفكرية مضببة، فإن المنهج الملازم لها، سيكون مضببا بالضرورة.

وسيتم نقل ثنائيات وإشكاليات وتقاطبات الفكر الحديث أو المعاصر، الملازمة لبعض المناهج الحديثة، إلى عمق التراث، رغم ارتهان الفكر العربي –الإسلامي الكلاسيكي إلى تجاذبات وإشكاليات ومركبات مختلفة كليا عن مكونات وموجهات الفكر الحديث.

(لأن الفكر اليساري العربي المعاصر لا يتبنى –في تقديرنا-المنهج الجدلي كمنهج ل"التطبيق" بل يتبناه ك"منهج مطبق". وهكذا فالتراث العربي الإسلامي "يجب" أن يكون: انعكاسا للصراع الطبقي من جهة: وميدانا للصراع بين " المادية " و "المثالية " من جهة أخرى.) 4-

يصدر الاستعمال الآلي للمناهج عن ضمنيات أو محفزات إيديولوجية وسياسية، أو عن غياب القدرة على الفصل بين الرؤية والمنهج وقراءة المناهج الحديثة من منظور تاريخي، وإعادة صياغة الإواليات والآليات صياغة مطابقة ومنتجة.

وفي هذا السياق، تمت قراءة مقدمة ابن خلدون، بالاستناد إلى مقاربات ومناهج غير مكيفة، وفهمت وحللت اعتمادا على شبكات تحليل وأطر مرجعية غير ملائمة، وغيبت في الغالب القراءة الشاملة للمتن التاريخي والفكري والفقهي والصوفي الخلدوني.

(ليس بفكر هو امتداد لهذا الفكر ينبني التاريخ في علم ، بل بفكر آخر منعتق منه ،هو فكر مادي نجده ،بالتحديد ،في الفكر التاريخي لابن خلدون.علمية هذا الفكر تكمن في موقف مادي من التاريخ يفسر التاريخ من داخله –لا باللجوء إلى مبدإ خارجي-بأسباب هي فيه ،لها، بالتالي ،طابع مادي.) 5-

هل يمكن التدليل على مادية الفكر الخلدوني، بالاكتفاء بمقتطفات ومقتبسات منتقاة بعناية فكرانية من "المقدمة "؟ هل يمكن تأويل أفكار "المقدمة" دون ربطها بالإنتاج التاريخي الكلي لابن خلدون (كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر) والفقهي والصوفي والرحلي؟ هل يمكن قراءة نظرية العمران الخلدونية دون ربطها بالنسق الفكري الوسيط؟ هل يمكن تأصيل المادية بالوصل بين ما لا يتصل نظريا وفكريا وتاريخيا؟

المنهج التاريخي وشمولية الرؤية :

يتم بموجب الإخلاص للمنهج تجاوز الفوارق والاختلافات الزمانية، وإبطال التاريخية باسم المنهج التاريخي. كما يتم توطين الأفكار والأنساق والظواهر السوسيو-سياسية في غير سياقها التاريخي –الثقافي. وتستعمل المفاهيم والآليات الحديثة استعمالا مرسلا، بلا ضوابط ولا مؤشرات معضدة وكأن التاريخ مسارات لاحبة، والمعرفة سيرورة متدفقة لا تعرف القطائع والفواصل والقفزات. ولا بأس هنا، من التخفف من مقتضيات التنوير والتثوير والإقطاع والفكر الليبرالي كما حددها المجال التداولي الغربي وترحيلها إلى نسق ونظيمة مختلفين.

(وفي هذا الصدد لعبت جماعة إخوان الصفا دورا رائدا في مجال المعرفة بهدف "التنوير " من أجل " التثوير"،متبنية سائر الاتجاهات والتيارات الفكرية الليبرالية الموجودة في الساحة ،مؤصلة ومرشدة لها من خلال الإحاطة بالتراث الكلاسيكي الهيوماني ،مكرسة حصاد ذلك كله لبث الوعي باعتباره أهم مقومات التغيير والتطوير.) 6-

وهكذا يتم التعامي عن مباني ومعاني وإفادات النصوص بدعوى شمولية الرؤية والمنهج المعتمدين .والواقع أن المنهج لا يؤتي ثماره إلا متى راعى مساقات وسياقات وأبنية النص ،وممكناته المعرفية والدلالية والتداولية .و من المفارقات المسجلة هنا ،هي نفي التاريخية عمليا ،باسم شمول المنهج التاريخي .ومن الطبيعي ،أن تلتبس المفاهيم إذ تستعمل بلا تكييف ولا تنسيب ،وينظر إلى المدارس والتيارات الفكرية التراثية وكأنها سوابق للمدارس والتيارات الفكرية الحديثة.علما أنه يصعب مد الجسور بين أنساق ونظائم مختلفة ، نظريا وإبستمولوجيا وتاريخيا،وتعويم المفاهيم والآليات والمقولات باسم مرونة وشمولية المنهج التاريخي .

لا مناص والحال هذه من إقرار تاريخية المناهج نفسها، وتفكيك شمولية أي منهج مهما كان إجرائيا أو شاملا.

المنهج ومدارات الغياب:

يقرأ المفكك النصوص الفكرية والصوفية والأدبية للبرهنة على جدارة التفكيك بالقياس إلى الماركسية والوضعانية بالدرجة الأولى والبنيوية بالدرجة الثانية. فمادام المفكك يسلم بالمنظورية وبقوى الهدم الثاوية في أعماق النصوص، فإنه لا يقرأ متى قرأ، إلا ليؤكد مقرراته المنهجية –النظرية. وكأن جوهر النقد كامن في البرهنة على صواب بضاعته المنهجية وفساد بضاعة الماركسي -التقدمي أو الوضعاني المنفردين فيما قبل الثمانينيات بصدارة المشهد الفكري والثقافي.

(إن قيمته المعرفية الفكرية[يقصد ماركس ] لا تكمن في أنه قال كل شيء قولا نهائيا محكما ، ولا في أنه فكر في كل شيء بصورة عميقة شاملة ،بل في كونه ،وهو يفكر فيما فكر فيه وبه ،استبعد أمورا تحتاج إلى أن نفكر فيها وعلى نحو مغاير. قيمته لا فيما نطق به بل فيما سكت عنه ،لا فيما رآه وقرره بل فيما يطرحه من مشكلات أو فيما لم يره .) 7-

تكمن قيمة فكر ماركس حسب علي حرب لا فيما بناه ورسخه نظريا بل فيما سكت عنه وفيما لم يره. إن نقل الاهتمام من مدار الحضور إلى مدار الغياب، لهو دليل، في العمق، على إرادة التسيد والتحكم في النص وتحكيم مقولات ومفاهيم ومقررات التفكيك في نصوص لا تتجاوب، مع مؤدياته المفهومية والنظرية من حيث المبدإ .ففيما تفرض مدارات الحضور الاشتباك بالنصوص وبمنطلقاتها المعرفية والمنهجية والنظرية ،فإن مدارات الغياب ،تسمح بالتأويل البعيد ،تعيينا، واستنطاق المسكوت عنه وخروم النصوص ،استنادا إلى مسلمات نظرية منظورية أو تفكيكية.

وهكذا لا يعتني المفكر في كثير من الحالات بالكشف عن محتويات النصوص وخفايا الواقعات الاجتماعية والثقافية، بل بالبرهنة على صحة المنهج، ودقة المنهجية، واستقصاء مواطن التوافق-رغم قلتها في الغالب-بين فحوى النص أو مقتضى الظاهرة أو الواقعة وملابسات المنهج.

التفكيك وسلطة اللامعنى :

فعوض استعمال بعض آليات أو مفاهيم التفكيك، في قراءة النصوص، أضحى التفكيك نظيمة معتمدة في صياغة الفكر والرؤية ومقاربة أسئلة وإشكاليات التراث والثقافة الشعبية والفكر النظري.علما أن المناهج لا تحتاز الشمول، ولا تمتلك أية أسبقية معرفية على النصوص أو الواقعات. وهكذا يتم إفقار النصوص والسمات الأنثروبولوجية المعقدة بإدراجها ضمن خطاطات تفكيكية مصاغة في سياقات فكرية وسياسية وتاريخية محددة.

لا تكمن أهمية الفكر أو النقد في البرهنة على قوة منهج من المناهج أو مقاربة من المقاربات، بقدر ما تكمن في ابتداع إبدالات ،أو صياغة متجددة لإشكاليات المعرفة والوجود أو عقلنة المخيال و أنسنة السمات الّأنثروبولوجية المميزة لكل ثقافة أصيلة ومنتجة.

(..ذلك أنه في المنظور التفكيكي لا يوجد في متناولنا سوى النصوص ، عنيت هذه الوقائع الخطابية التي ينبغي اكتشاف آلياتها في إنتاج المعنى أو في حجب اللامعنى الذي يتأسس عليه المعنى .والنصوص هي سواء بهذا المعنى التفكيكي ،إذ لكل نص حداثته وراهنيته شرط أن نحسن قراءته وسبر إمكاناته .يمكن لي ،مثلا، أن أقرأ نصا لابن عربي فأجده قبل ديكارت في قناعاته وطروحاته ،ولكني أجده قريبا من رولان بارت في بنيته ومطوياته .) 8-

فمادامت النصوص وقائع خطابية، ومتواليات من الملفوظات، وتشكيلات من المعاني القائمة على اللامعنى ،فلا "معنى" لمراعاة السياقات والنظم المعرفية والأنساق الدلالية والتواريخ ،ولا فائدة من وضع ضوابط للتفسير والتأويل.

المناهج بين الاستعارة والإنتاج :

وفيما يكثر الحديث عن اصطناع المناهج ومداورتها في مقاربة النصوص ،ويكثر الإقبال على الاستعارة والتطبيق شبه الآلي في الغالب وعلى التكييف والتبيئة والترميق والتركيب أحيانا ،يقل الحديث عن ضرورة إنتاج مناهج أكثر تجاوبا واتساقا وأقدر على استكشاف ما لم يستكشف ،أو الكشف عما استعصى عن الكشف والتعرية .إن الكلف بالمناهج الحديثة، والذب عن صلاحيتها الإجرائية ، وعن شموليتها ،لا يوازيه كلف بالإنتاج المنهجي أو بالنقد الإبستمولوجي والتاريخي للمناهج القديمة و الحديثة على السواء.وهذا ما يفسر التقلب بين المناهج ،والميل إلى التجريب المفرط ،والبحث عن الأسبقية والريادة في مداورة آليات مستحدثة ،واختيار نصوص ضئيلة القيمة المعرفية أو الجمالية لمجرد اتساقها ،مبنى أو معنى ،مع بعض المفاهيم أو الآليات البنيوية أو السيميائية أو الحجاجية أو التفكيكية .

لا يصدر الاهتمام بالمنهج في الغالب عن انشغالات معرفية صميمة، بل عن انحياز فكري وفكراني أو عن تبرير أو تسويغ لتطلعات أو لمواقع وظيفية او إعلامية. وهكذا يصير الانحياز لمنهج معين ( المادية التاريخية أو البنيوية أو التفكيك أو الفينومينولوجيا أو السيميائيات أو الحجاج أو النقد المعرفي )،وسيلة للدفاع عن اختيارات فكرية او فكرانية أو سياسية أو رأسمال رمزي ،للتوظيف في سوق التنافس الأكاديمي أو الوظيفي أو الإعلامي .

لا يمكن فهم الانشغال بسؤال المنهج إلا في سياق الانشغال بأسئلة الفكر والوجود والتاريخ والقيم. ومن هنا ، فلا معنى ،لفصل المناهج عن قضايا إبستمولوجية ووجودية وقيمية إشكالية ،وحصرها في تقنيات أو آليات أو إجراءات للتحكيم في توصيف وتحليل وتقييم نصوص فكرية أو أدبية منتجة في سياق ثقافي-حضاري مختلف.

يقتضي الاستعمال المنتج والوظيفي للمناهج الحديثة، الوصل والفصل بين الرؤية والمنهج، وتركيب جهاز إجرائي مرن، متصل ومنفصل في ذات الآن عن النصوص التراثية أو الواقعات الطرفية المعالجة.

ثمة فرق كبير، في الواقع، بين الانشغال النظري بسؤال المنهج والاستعمال المنتج والوظيفي للمناهج الحديثة. ففيما يقتضي الانشغال النظري بسؤال المنهج المعالجة الإبستمولوجية الشاملة، فإن الاستعمال المنتج والوظيفي للمناهج، يقتضي الملاءمة والمطابقة والفعالية بالدرجة الأولى.

( يمكن أن ترفض التاريخانية أو البنيوية كفلسفة وتوظف كمنهج للتحليل في حدود معينة.) 9-

ينطوي الاعتناء الحصري بالمنهج والمنهجية في تقويم الأعمال النقدية والتاريخية والأدبية عن قصور نظري ومعرفي بين. تقاس قوة الأعمال الفكرية والنقدية، في الحقيقة، بقدرتها على التعليل والاستجلاء والكشف، وعلى تركيب ومداورة المناهج ببراعة دون تجاهل ملابسات وخاصيات المتون والنصوص والواقعات، ودون السقوط في مطبات الإسقاط والآلية والتحوير ونفي التاريخية وإنكار الفوارق الثقافية.

لا قيمة للمهارة المنهجية، إلا متى مكنت من تعميق المعرفة بإشكاليات الفكر والوجود والقيم، أو إبداع آليات إجرائية غير مسبوقة في التقليد البحثي أو إبراز ما غيب أو طمس.

الهوامش :

1-إبراهيم القادري بوتشيش ، أثر الإقطاع في تاريخ الأندلس السياسي –من منتصف القرن الثالث الهجري حتى ظهور الخلاقة [250ه،316ه]،منشورات عكاظ،1992،ص339.

2-ابن عذاري المراكشي، البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب، تحقيق ومراجعة: كولان وليفي بروفنسال ،دار الكتب العلمية ،بيروت ، الطبعة الأولى: 2009،المجلد الثاني ،ص.114.

3-عبد الله العروي، ثقافتنا في ضوء التاريخ، بيروت، الدار البيضاء، المركز الثقافي العربي، الطبعة الثانية :1988، ص.37.

4-محمد عابد الجابري، نحن والتراث –قراءات معاصرة في تراثنا الفلسفي، المركز الثقافي العربي، بيروت-الدار البيضاء، الطبعة السادسة: 1993، ص.15.

5-مهدي عامل، في علمية الفكر الخلدوني ،دار الفارابي ،بيروت ،لبنان ،الطبعة الثالثة: 1990،ص.25-26.

6-محمود إسماعيل، إشكالية المنهج في دراسة التراث، رؤية للنشر والتوزيع، القاهرة، 2004، ص.40.

7- علي حرب ،نقد النص ،المركز الثقافي العربي ،بيروت ،الدار البيضاء ،الطبعة الأولى: 1993،ص.147.

8-علي حرب،الممنوع والممتنع –نقد الذات المفكرة ،المركز الثقافي العربي ،الدار البيضاء ،بيروت ،الطبعة الأولى: 1995،ص.63-64.

9-عبد الله العروي، المنهجية بين الابداع والإتباع، ضمن: المنهجية في الأدب والعلوم الإنسانية، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، الطبعة الأولى 1986، ص.10.

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق