الانتخابات الفلسطينية … استحقاق وطني أم اختبار لمستقبل القضية؟
الانتخابات الفلسطينية … استحقاق وطني أم اختبار لمستقبل القضية؟
الكوفية لم يعد الحديث عن إصدار مرسوم رئاسي لإجراء انتخابات تشريعية مجرد استحقاق دستوري مؤجل، بل أصبح سؤالاً سياسياً يتعلق بمستقبل النظام السياسي الفلسطيني وإمكانية استعادة الوحدة الوطنية في ظل حرب مدمرة على قطاع غزة ، واستمرار الاحتلال والانقسام.
فالانتخابات تُطرح في وقت يفرض فيه الاحتلال سيطرته على أجزاء واسعة من قطاع غزة، ويتحكم بالمعابر، بينما تتواصل في الضفة الغربية عمليات الاستيطان والاقتحامات والاعتقالات، وتبقى القدس تحت قيود تمنع أي ممارسة سياسية فلسطينية حرة.
وفي ظل هذه الظروف، لا يكفي السؤال : هل يمكن إجراء الانتخابات؟
بل الأهم : هل تستطيع الانتخابات إنتاج واقع سياسي جديد، أم أنها ستتكيف مع الواقع الذي فرضه الاحتلال؟
تجربة انتخابات عام 2006 تؤكد أن نجاح العملية الانتخابية لا يتوقف عند نزاهة الاقتراع ، بل على وجود توافق وطني يحترم نتائجها . فقد أنتجت الانتخابات آنذاك شرعية شعبية ، لكنها انتهت إلى انقسام سياسي بسبب غياب الشراكة الوطنية ، إلى جانب التدخلات الإقليمية والدولية والرفض الإسرائيلي لنتائجها .
اليوم تبدو التحديات أكبر. فإسرائيل تدرك أن استمرار الانقسام يخدم مشروعها القائم على إضعاف النظام السياسي الفلسطيني ومنع تشكل قيادة وطنية موحدة قادرة على مواجهة مخططات الضم وإعادة تشكيل مستقبل غزة .
لذلك ، فإن أي انتخابات تفضي إلى شرعية وطنية جامعة قد تصطدم بعراقيل سياسية وأمنية يفرضها الاحتلال .
وفي المقابل ، فإن استمرار غياب الانتخابات لا يقل خطورة ، إذ يكرس أزمة الشرعية ، ويضعف ثقة المواطنين بالمؤسسات ، ويفتح المجال أمام محاولات فرض ترتيبات سياسية على الفلسطينيين دون تفويض شعبي حقيقي.
لكن الانتخابات ، مهما كانت أهميتها ، ليست حلاً بحد ذاتها فهي لن تنهي الانقسام إذا بقيت أسباب الخلاف قائمة ، وإذا لم تسبقها مصالحة وطنية واتفاق واضح على احترام النتائج ، والشراكة في إدارة النظام السياسي ، وإصلاح المؤسسات الوطنية ، وفي مقدمتها منظمة التحرير الفلسطينية.
إن القضية اليوم ليست مجرد اختيار أعضاء مجلس تشريعي ، بل إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني على أسس الوحدة والشراكة، بما يعزز القدرة على مواجهة مشاريع “اليوم التالي” لغزة ، ويعيد القرار الوطني إلى أصحابه.
وفي النهاية ، فإن نجاح الانتخابات لن يُقاس بعدد المشاركين أو المقاعد التي تحصل عليها الفصائل ، بل بقدرتها على إنتاج قيادة موحدة ومؤسسات فاعلة تحظى بشرعية شعبية ، وتعيد توحيد الضفة الغربية وقطاع غزة ضمن مشروع وطني جامع .
فإذا تحولت الانتخابات إلى مدخل لإنهاء الانقسام واستعادة الوحدة ، فإنها ستكون نقطة تحول في مسار القضية الفلسطينية.
أما إذا أُجريت في ظل استمرار الانقسام، ودون ضمانات لاحترام نتائجها، فإنها قد تتحول إلى محطة جديدة لإدارة الأزمة ، بينما يواصل الاحتلال فرض وقائعه على الأرض ورسم مستقبل فلسطين وفق مصالحه .