برك سليمان… أيُّ سليمان؟ اسطورة الملك سليمان التوراتي ام تاريخ السلطان سليمان القانوني !؟
برك سليمان… أيُّ سليمان؟ اسطورة الملك سليمان التوراتي ام تاريخ السلطان سليمان القانوني !؟
الكوفية "قراءة أثرية في ضوء المكتشفات المادية وتاريخ المنظومة المائية بعيداً عن السرديات التوراتية"
ليست المعركة على المواقع الأثرية في فلسطين معركة على الحجر وحده، بل هي معركة على المعنى والذاكرة والرواية التاريخية. فالموقع الأثري، الذي يفترض أن يكون مجالاً للبحث العلمي ودراسة تعاقب الحضارات، يتحول أحياناً إلى أداة سياسية تُستخدم لإنتاج روايات تخدم مشاريع السيطرة والضم.
وتأتي برك سليمان جنوب بيت لحم في مقدمة المواقع التي تكشف هذا التداخل بين الآثار والسياسة؛ فهذه المنظومة المائية التاريخية، التي بقيت شاهدة على تطور هندسي استمر قروناً طويلة، أصبحت اليوم هدفاً لمحاولات إعادة تفسير تاريخها خارج قواعد البحث الأثري، عبر ربطها بروايات لا تستند إلى أدلة مادية.
إن علم الآثار لا يبدأ من الاسم، ولا من الرواية المتداولة، بل من الأرض نفسها؛ من الطبقات الأثرية، ومن تقنيات البناء، ومن اللقى المكتشفة، ومن التسلسل الزمني الذي تكشفه الحفريات. لذلك فإن السؤال العلمي حول برك سليمان ليس: من هو "سليمان" الذي ارتبط به الاسم؟ وإنما: ماذا تقول الشواهد الأثرية عن تاريخ هذه المنشآت؟
تكشف الدراسات الأثرية أن برك سليمان ليست منشأة منفردة، وإنما منظومة مائية متكاملة تتكون من ثلاث برك متدرجة، وقنوات لنقل المياه، ومنشآت للتحكم في تدفقها. وقد أُقيمت هذه المنظومة اعتماداً على معرفة هندسية متقدمة تقوم على استغلال طبيعة الأرض والانحدار الطبيعي لضمان حركة المياه دون الحاجة إلى وسائل رفع.
وتشير الأدلة المعمارية ونتائج الدراسات الأثرية إلى أن الأجزاء الأساسية من هذه المنظومة ترتبط بالفترات الهلنستية والرومانية، مع مراحل لاحقة من الإصلاح والتطوير خلال العصور البيزنطية والإسلامية والمملوكية والعثمانية. وهذا يؤكد أن الموقع يمثل تراكماً حضارياً متواصلاً، وليس أثراً مرتبطاً بفترة تاريخية واحدة أو رواية واحدة.
ومن هنا، فإن محاولة ربط البرك بالملك سليمان اعتماداً على الاسم فقط لا تنسجم مع المنهج الأثري. فلم تكشف التنقيبات أو الدراسات الميدانية عن نقش تأسيسي، أو كتابة أثرية، أو دليل مادي مباشر يربط إنشاء هذه البرك بشخصية الملك سليمان. كما أن علم الآثار لا يعتمد على التشابه بين الأسماء لإثبات التاريخ، بل على الأدلة المادية القابلة للفحص والتحليل.
إن غياب الدليل الأثري ليس تفصيلاً هامشياً، بل هو جوهر القضية؛ فلو كان هناك ارتباط تاريخي مباشر بين البرك والملك سليمان، لكان من المتوقع أن تظهر شواهد مادية تؤيد ذلك، كما يحدث في المواقع التي تحتوي على نقوش أو عناصر معمارية مؤرخة. أما تحويل رواية دينية إلى حقيقة أثرية دون دليل، فهو خروج عن قواعد البحث العلمي.
وفي المقابل، يقدم التاريخ العثماني للموقع معطيات أكثر وضوحاً وتوثيقاً. فقد ارتبط السلطان العثماني سليمان القانوني بمرحلة مهمة من تاريخ المنظومة المائية في القدس وبيت لحم، حيث شهدت البرك والقنوات أعمال صيانة وإعادة تأهيل واسعة خلال القرن السادس عشر الميلادي بهدف ضمان استمرار تدفق المياه إلى القدس. ولم يكن ذلك إنشاءً للموقع، وإنما إعادة إحياء لمنظومة مائية تاريخية حافظت على أهميتها عبر العصور.
كما شهد الموقع في العهد العثماني إنشاء منشآت دفاعية مرتبطة بحماية مصادر المياه، ومن أبرزها قلعة مراد المقابلة للبرك التي شُيدت في القرن السابع عشر في عهد السلطان مراد الرابع، بما يعكس القيمة الاستراتيجية لهذه المنظومة المائية وأهميتها في إدارة الموارد وحماية طرق المياه.
إن هذا التاريخ العثماني الموثق يختلف جذرياً عن محاولات إسقاط روايات توراتية غير مدعومة أثرياً على الموقع. فالعثمانيون لم يحتاجوا إلى اختراع تاريخ للبرك، بل تعاملوا معها باعتبارها منشأة قائمة ذات أهمية عمرانية ومائية، فأعادوا تأهيلها وحافظوا على وظيفتها.
إن الخطر الحقيقي اليوم لا يكمن في اختلاف وجهات النظر حول تفسير التاريخ، بل في تحويل علم الآثار إلى أداة للسيطرة السياسية. فعندما تُستخدم المواقع الأثرية لتبرير الاستيطان أو الضم، يصبح الدفاع عن التراث دفاعاً عن المنهج العلمي نفسه.
لقد شهدت فلسطين نماذج متعددة لمحاولات احتكار الرواية التاريخية، من خلال انتقاء مرحلة واحدة من تاريخ الموقع وإقصاء بقية المراحل الحضارية التي شكلته. لكن الحقيقة الأثرية تقول إن فلسطين كانت على امتداد آلاف السنين فضاءً لتفاعل الحضارات، وإن قيمة الموقع لا تأتي من ربطه بسردية واحدة ركيكة، بل من غناه التاريخي وتراكمه الحضاري.
إن برك سليمان ليست بحاجة إلى أسطورة لكي تثبت أهميتها؛ فهندستها المائية، واستمرار استخدامها، وبقاؤها شاهداً على تطور المعرفة الإنسانية في إدارة المياه، كلها أدلة كافية على مكانتها. أما الروايات التي لا تسندها المكتشفات الأثرية، فإنها تبقى جزءاً من الخطاب السياسي لا من سجل التاريخ.
فالحجر لا يحتاج إلى من يمنحه تاريخاً مصطنعاً؛ فالأرض تتحدث من خلال آثارها، ومن واجب علم الآثار أن ينصت إليها.