ترامب في مواجهة النساء
رجب أبو سرية
ترامب في مواجهة النساء
الكوفية يمكن بقليل من التجني أو المغامرة، القول إن سياسة الرئيس الأميركي الحالي دونالد ترامب تتسم بالتخبط، فهو كثيراً ما يتخذ موقفاً ما، ثم يتراجع عنه أو يتخذ موقفاً معاكساً له بعد وقت قصير، وهذا يعود لطبيعة شخصية، كما يدل على عدم وجود استراتيجية سياسية واضحة أو قوية لديه، كما يمكن القول أيضاً، إن ترامب يعتبر واحداً من الرؤساء الأميركيين القلائل، الذين أظهروا هذا التناقض في سياساتهم الخارجية على نحو خاص، والذي ينم عن ضعف سياسي، وليس عن قوة، كما يحاول هو أن يظهر، فليست التهديدات التي يطلقها ليل نهار، وبكل الاتجاهات منذ دخل البيت الأبيض وحتى الآن، والتي ينفذ منها القليل، إلا دليلاً على «خفة سياسية»، تظهره كرئيس غير متزن، لا يكاد يملؤ المقعد الذي يجلس عليه.
ويظهر ترامب كما لو كان يدير البيت الأبيض أكثر منه يقود الولايات المتحدة، وقد يعود ذلك لكونه رجل أعمال بالأصل، أي أن خبرته تكمن في إدارة الشركات، وليس في قيادة الدول والشعوب والجيوش، وقد تكون هذه صفة شخصية، تستند إلى خبرة شخصية أيضاً، تفسر جانباً من السياسة الأميركية الحالية، لكنّ هناك أيضاً جوانب قد تكون أهم، ولها علاقة بكون ترامب رئيساً جمهورياً، كذلك لها علاقة باللحظة الحالية، التي تواجه فيها أميركا تحدياً عالمياً، في مجالي الاقتصاد والسياسة، يهدد مكانتها الدولية، وبالتحديد نظامها العالمي، الذي تتحكم بقيادته منذ ثلاثة عقود ونصف مضت. والجمهوريون غير الديموقراطيين بالطبع في مجمل سياساتهم، وحتى في رؤيتهم أو في تحديد أولويتهم لتثبيت أركان النظام العالمي الأميركي، ولعل تحديد المواصفات الشخصية للرئيس، والتي على أساسها اختاره حزبه الجمهوري أولاً، ومن ثم الناخبون تالياً لأعلى منصب في الدولة، يفسر المسار العام أو الرئيس للسياسة الخارجية الأميركية في هذه الولاية الممتدة منذ عام ونصف، والمستمرة إلى عامين ونصف قادمين تقريباً.
كذلك يمكن وصف ترامب الرجل الثمانيني بأنه جمهوري غير متأصل في صفوف الحزب، بل إنه يتمتع بهامش لم يحظ به رئيس جمهوري من قبل، من التحرر من مراكز قوى الحزب، لأنه دخل عالم السياسة متأخراً أو غير محترف، ودخله من باب كونه مليارديراً، وليس محترفاً سياسياً، ثم لأنه اعتمد تالياً على مجموعة «ماجا» التي تدين له بالولاء شخصياً، وليس فقط للحزب الجمهوري، لذلك يظهر ترامب كرئيس يتحكم بالحزب الجمهوري أكثر مما يخضع لقرارات وتوجهات الحزب، وعموماً هو اختار الجمهوري وليس الديموقراطي، وكل من يتطلع للتقدم في حقل الاحتراف السياسي، يختار أحد الحزبين، لأنه شخصياً يتوافق مع الجمهوري أكثر بكثير من الديموقراطي، وهو أخذ على كل من نافسهم من الحزب الديموقراطي كونهم ليبراليين، مثال كامالا هاريس، أو حتى شيوعيين، أمثال زهران ممداني، أي أنه يتهم الديمقراطيين التقليديين بالليبرالية والديموقراطيين الاجتماعيين بالشيوعية، لأنه انجيلي محافظ، كما انه منحاز للبيض إلى حدود العنصرية، ثم هو ذكوري.
وفي المناسبات الثلاث التي خاض فيها انتخابات الرئاسة، كانت دائرة ناخبيه تتمثل في الناخبين البيض الذين شكلوا ما نسبته 88% من ناخبيه، خاصة الرجال منهم الذين شكلوا الدعم الأساسي له، كذلك الناخبين في الريف وضواحي المدن، كما فاز ترامب في المرتين اللتين فاز فيهما بأغلبية أصوات المتدينين المحافظين من البروتستانت الإنجيليين، وتمتع أيضاً ترامب بأغلبية بين من لا يحملون شهادات جامعية، وكذلك كبار السن فوق 50 سنة.
وبما يؤكد كونه رجلاً ذكورياً، ففي كل محطاته الانتخابية كانت النساء تنتخب خصمه بفارق واضح، لدرجة أن وصفته ليز تشيني النائبة الجمهورية السابقة في الكونغرس بأنه «كاره للنساء».
ولا يعود ذلك لأنه كأي مرشح رئاسي جمهوري يتبع سياسة محافظة تجاه المواضيع التي تهم النساء، من المساواة في الوظيفة والمرتب، كذلك لكونه ضد الإجهاض، والرعاية الصحية، ورعاية الأطفال إلى التضخم وأزمة الإسكان، بل لأنه دائماً ما يجد نفسه في سجال ضد العديد من النساء من صحافيات، وممثلات، إلى ملكات جمال، بحيث لا يتورع عن توجيه الشتائم والإهانات التي تدل على «ذكوريته» الجندرية، ولم يتورع عن توجيه القدح البذيء ضد منافستيه هلاري كلينتون وكامالا هاريس، بما في ذلك تهمة استغلال الجسد في العمل السياسي !
الحقيقة أنه لم يسبق لمرشح رئاسي أن واجه مرشحتين رئاسيتين، في مناسبتين، كانت النتيجة لصالحه في كلتيهما، بينما خسر في المواجهة الثالثة التي تنافس فيها مع مرشح رجل، وكان جو بايدن، وقد تكون هذه النتيجة قد عززت لديه ذكوريته أو انها أبقت عليها، لكنه لم يسلم من مواجهة النساء في العمل السياسي، بمجرد أن فاز على هيلاري كلينتون في انتخابات الرئاسة عام 2016، وعلى كامالا هاريس عام 2024، فقد أمضى ترامب ولايته الأولى في صراع مرير مع رئيسة الكونغرس الديموقراطية الشجاعة نانسي بيلوسي، التي عذبته كثيراً، أما في ولايته الحالية التي لم تنتهِ بعد، فهو يواجه نائبات عديدات، يبدو أنهن في طريقهن لتعذيبه فيما تبقى من مدة ولايته الأخيرة، وذلك بعد الانتخابات النصفية.
وإذا ما جاءت نتائج الانتخابات النصفية كما هو متوقع، وحقق الحزب الديموقراطي الأغلبية في مجلسي النواب والشيوخ، كليهما أو أحدهما، خاصة أن الحزب الديموقراطي آخذ في التحول نحو اليسار الاجتماعي، فإن نائبات من مثل إلهان عمر ورشيدة طليب، سيذقن ترامب كل ما هو مر في السياسة الداخلية والخارجية على حد سواء.
وترامب كما أشرنا هو رجل محافظ وسياسي يعتمد على ما هو تقليدي وإن كان يحاول أن يظهر غير ذلك، من سلوك صادم في الشكل الخارجي، لذلك فإن التحول الداخلي بما يعزز من نفوذ وتأثير الشباب وكذلك من زيادة دور النساء يعتبر تحولاً مضاداً له، وإذا ما ترافق ذلك مع تحول خارجي يشهده العالم، على طريق تغيير النظام العالمي الأميركي، فإن التقدير المرجح هو أن ترامب في طريقه لإكمال ما تبقى من ولايته «كبطة عرجاء»، وما زال هو يعتمد على كون أميركا دولة محافظة بالمجمل العام، وقد يعود هذا إلى كونها زعيمة العالم، أو كونها دولة معزولة وراء البحار والمحيطات، وحتى إلى ظروف نشأتها، بعيداً عن العالم القديم مهد الحضارات، حيث تشير التقديرات إلى أن أميركا تحتل المرتبة 91 بين دول العالم من حيث تمثيل النساء في المناصب الرسمية والسياسية.
وهذا التقدير قد يفسر فشل الحزب الديموقراطي مرتين في إدخال امرأة إلى البيت الأبيض ليس كسيدة أولى، بل كرئيسة، وأن آخر ما وصلته المرأة الأميركية هو منصب نائب الرئيس، عبر كامالا هاريس، ومنصب وزير الخارجية بأكثر من سيدة، منهن هيلاري كلينتون، كوندليزا رايس، ومادلين اولبرايت وكانت أول وزير خارجية امرأة في عهد ولاية بيل كلينتون الثانية.
هذا رغم أن النساء تولين في الكثير من دول العالم المنصب الأول منذ عقود، من الهند، باكستان، بنغلاديش، مرورا باليابان، إلى بريطانيا، حيث كانت رئيسة الوزراء الحديدية مارغريت تاتشر، ومستشارة ألمانيا التاريخية انجيلا ميركل.
فأميركا لم تحقق بعد ما هو قريب من المساواة بين الجنسين في الحقل السياسي، الذي ما زال ذكوريا في جانبه التقليدي سواء في الحزب الجمهوري أو الديموقراطي، فنسبة النساء في مجلس النواب لا تتجاوز 20% معظمهن ينتمين للحزب الديموقراطي، وهناك ثلاث قاضيات من بين تسعة في المحكمة العليا، لكن النساء يتقدمن في أميركا بسرعة، وقد بتن أكثر تعليماً من الرجال، ويعملن في الصناعات الخدمية المتنامية، ويحصلن على دخل أعلى من الرجال بشكل متزايد، ومنذ انتخاب ترامب أصبحن أكثر ليبرالية من الشباب الرجال.
أخيراً فإنه بالنظر إلى أن 54% من النساء صوتن لصالح هيلاري كلينتون مقابل 42% صوتن لصالح ترامب في انتخابات العام 2016، بينما صوتت 53% من النساء لصالح هاريس مقابل 45% صوتن لصالح ترامب في انتخابات الرئاسة عام 2024، فإنه يمكن القول مع التحول الداخلي والخارجي، والذي تظهره استطلاعات الرأي فيما يخص السياسة الخارجية، خاصة تلك المتعلقة بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي، بأن ترامب سيخرج من البيت الأبيض كرئيس عابر، فيما سيبقي وراءه مفتاح البيت الأبيض في انتظار رئيسة ديموقراطية.