الانتخابات التشريعية الفلسطينية: استحقاق وطني أم مطلب دولي؟ وما هي فرص نجاحها في ظل التحديات القائمة؟
الدكتور خالد موسى
الانتخابات التشريعية الفلسطينية: استحقاق وطني أم مطلب دولي؟ وما هي فرص نجاحها في ظل التحديات القائمة؟
الكوفية تأتي الانتخابات التشريعية المرتقبة في فلسطين في لحظة فارقة وحساسة، بل استثنائية. ففلسطين اليوم تقف أمام مشهد سياسي معقد، تتداخل فيه الانقسامات السياسية، وحرب الإبادة على غزة التي ما زالت مستمرة دون وجود آفاق واقعية لإنهائها، وما يترتب عليها من تداعيات جمّة، إضافة إلى حالة العزوف الجماهيري، واستمرار الاحتلال في الاستيطان بالضفة الغربية، ومصادرة الأراضي، وتهجير سكان المخيمات، والاعتداءات المستمرة من قبل المستوطنين على القرى الفلسطينية، والحصار المالي المفروض على السلطة الفلسطينية.
ويضاف إلى ذلك وجود ضغوط دولية على السلطة لإعادة إصلاحها وترتيب النظام السياسي، ووجود ما يسمى بـ«مجلس السلام» وما تمخض عنه من خلق كيانات خدمية في غزة، ولا سيما لجنة التكنوقراط التي ستتولى إدارة الحياة اليومية والإعمار في القطاع، خلافًا للمشاريع الإسرائيلية التي تسعى إلى تقويض السلطة الفلسطينية وضم الضفة الغربية.
كما تبرز الإجراءات المتخذة في القدس بهدف فصلها والسيطرة عليها، باعتبارها أحد أبرز التحديات التي تواجه أي استحقاق انتخابي فلسطيني.
وقد حدد الرئيس أبو مازن، بموجب مرسوم رئاسي، موعد الانتخابات التشريعية في 28 تشرين الثاني/نوفمبر 2026، على أن تجرى في الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس.
وهنا تبرز الإشكالية والتداخل: هل الانتخابات التشريعية استحقاق وطني، أم أنها نتيجة لضغوط دولية؟
الانتخابات التشريعية هي، في جوهرها، استحقاق وطني قبل أن تكون نتيجة لضغوط دولية، وقد عبّر عنها كثيرون وأشاروا إلى أنها يمكن أن تشكل مخرجًا من الأزمة. فالقانون الأساسي للسلطة الفلسطينية يقوم على الديمقراطية والتداول السياسي، ويقر بأن المجلس التشريعي هو السلطة التشريعية المنتخبة، كما ينص على دورية الانتخابات.
إن تعطيل إجراء الانتخابات لسنوات طويلة أدى إلى إضعاف شرعية مؤسسات السلطة، وخلق فجوة كبيرة بين المجتمع ومؤسساته. وبالتالي، يجب النظر إلى الانتخابات باعتبارها حقًا فلسطينيًا خالصًا، ووسيلة لإعادة بناء الشرعية وتجديد التمثيل الفلسطيني، وإنهاء حقبة زمنية صعبة غاب فيها دور الرقابة والمساءلة.
ولكن، في الوقت ذاته، لا يمكن إغفال البعد الدولي، لما له من تأثير فاعل في النظام السياسي الفلسطيني. فالقضية الفلسطينية تمر بمرحلة تتداخل فيها العديد من الإشكاليات، سواء ما يتعلق بإعادة إعمار غزة، أو ترتيبات الحكم فيها وأمنها، أو مستقبل السلطة الفلسطينية، في ظل تراجع فرص حل الدولتين، وانهيار اتفاق أوسلو ومسار التسوية السياسية، وتشكيل اللجنة الوطنية لإدارة غزة واعتبارها سلطة انتقالية، وإعادة تنظيم مؤسسات الحكم فيها.
هنا تكمن المفارقة؛ فالانتخابات التشريعية مطلب فلسطيني في جوهرها، وإن جاءت متأخرة وفي ظروف بالغة التعقيد، لكنها ستجري في بيئة متشابكة تجعلها جزءًا من حسابات وضغوط دولية وإقليمية أوسع.
وتظهر الخطورة هنا في أن تتحول الانتخابات الفلسطينية إلى مجرد أداة لإنتاج قيادة فلسطينية مقبولة دوليًا، بدلًا من أن تكون أداة لإنتاج قيادة يختارها الشعب الفلسطيني بحرية.
فالانتخابات التي تُجرى لإرضاء الخارج قد تنتج شرعية محدودة، بل وموجهة، أما الانتخابات التي تنبع من توافقات وطنية واسعة وقبول شعبي، فيمكن أن تكون نقطة انطلاق لإعادة بناء نظام سياسي وطني يشمل الكل الفلسطيني.
أما فرص نجاح هذه الانتخابات، فعلى الرغم من أنها محفوفة بالمخاطر، فإنها متوفرة، ولو بالحد الأدنى، ما لم تُقدم إسرائيل على منع إجرائها في القدس أو غزة، أو يقوم الرئيس بإلغائها كما حدث في السابق. وهذا الأمر، وفق تقديري وحسب المعطيات المتوفرة، يبدو مستبعدًا.
إلا أن نجاح الانتخابات يعتمد على عدد من الشروط، أهمها:
أولًا: التوافق السياسي
إن توافق القوى والفصائل الفلسطينية على كل شيء أمر غير واقعي، لكن الأهم هو التوافق على نتائج الانتخابات والقبول بها والالتزام بمخرجاتها. فهذا الأمر يمثل شرطًا أساسيًا لنجاح العملية الانتخابية واستعادة الثقة بها.
ثانيًا: ضمان مشاركة غزة الجريحة
فأي انتخابات لا تشارك فيها غزة لن تكون مكتملة بصورة حقيقية، ولن تكون باعثة على الأمل. ولذلك، فإن مستقبل الترتيبات السياسية والأمنية في غزة سيكون حاسمًا في نجاح الانتخابات، بما يضمن وحدة الوطن وتحديد دور اللجنة الوطنية باعتبارها مرحلة انتقالية إلى حين تشكيل حكومة وطنية يقرها المجلس التشريعي في غزة والضفة الغربية والقدس.
ثالثًا: ضمان النزاهة والاستقلالية
تحتاج لجنة الانتخابات إلى مساحة واسعة للعمل المستقل، وإلى ضمانات حقيقية لتسجيل الناخبين ومتابعة العملية الانتخابية في جميع مراحلها، بما يعزز الثقة بالانتخابات ويزيد من فرص قبول نتائجها.
رابعًا: قبول النتائج
هذه نقطة مفصلية وغاية في الأهمية؛ فالانتخابات وحدها لا تكفي ما لم يتم قبول نتائجها، سواء أكانت إيجابية أم سلبية، من جانب جميع الأطراف. والسؤال هنا: هل سيقبل الجميع بالفائز، مهما كانت هويته السياسية؟
خامسًا: وجود آفاق سياسية بعد الانتخابات
بمعنى آخر، يجب أن تكون هناك رؤية واضحة بشأن مجلس تشريعي يمتلك صلاحيات حقيقية، لعل أهمها المشاركة في تشكيل الحكومة وممارسة دوره الرقابي والتشريعي. وهذا يعني انتهاء الدور الانتقالي للجنة الوطنية وانتقال إدارة الحكم وقضايا الإعمار ومعالجة الاقتصاد، وصولًا إلى إنهاء الانقسام.
وبدون ذلك، تصبح الانتخابات شكلية. أما إذا ارتبطت الانتخابات بمشروع واضح وآفاق حقيقية لإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني وتوحيد مؤسساته، فقد تكون فرصة تاريخية، بل وانطلاقة نحو مستقبل أفضل
في الختام، تبدو الانتخابات قادمة لا محالة، وهي فرصة وطنية لا يمكن تفويتها. ورغم أنها قد تأتي في إطار ترتيبات وضغوط إقليمية ودولية، فإنها في جوهرها استحقاق وطني وفرصة تاريخية لإنقاذ المشروع الوطني الفلسطيني.
لكن الأهم هو أن تكون هذه الانتخابات مدخلًا حقيقيًا نحو إنهاء الأزمة القائمة، لا أن تتحول إلى شرعية ناقصة فوق انقسام قائم. فالرهان الحقيقي لا ينبغي أن يكون على إجراء الانتخابات فقط، وإنما على قدرتها على إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني، وتجديد شرعيته، وتوحيد مؤسساته، وفتح الطريق أمام مستقبل جديد بلا انقسام، وبمؤسسات وطنية موحدة تخدم المواطن وتعيد إليه الأمل والمستقبل المسلوب.