(قُصْرَة) نموذج للصمود الفلسطيني وسط قلة الحيلة
مناضل حنني
(قُصْرَة) نموذج للصمود الفلسطيني وسط قلة الحيلة
الكوفية بلدة قُصْرَة، جنوب شرقي نابلس في الضفة الغربية، تشهد منذ منتصف أغسطس/آب 2026 حصارًا متواصلًا فرضه مستوطنون إسرائيليون على عدد من المنازل الفلسطينية، ولا سيما في منطقة رأس العين، تحت حماية قوات الاحتلال.
امتد الحصار لأكثر من ثلاثة أسابيع، وشمل قطع المياه والكهرباء، ومنع الحركة، وعرقلة إدخال الغذاء والدواء، إلى جانب إضرام النار في الأراضي الزراعية، وتنفيذ هجمات متكررة بالحجارة والغاز المسيل للدموع.
ورغم قسوة الظروف، يرفض الأهالي مغادرة منازلهم، خوفًا من أن تتحول مغادرتهم إلى خطوة على طريق الاستيلاء عليها. ويعيش السكان في ظروف إنسانية خانقة، وسط نقص في الغذاء، وغياب الشعور بالأمان، وخوف دائم من الاعتداءات، فيما تحولت أجزاء من بعض المنازل، في أوقات مختلفة، إلى مواقع تستخدمها قوات الاحتلال.
في قُصْرَة، لا يبدو الصمود مجرد شعار، بل يتحول إلى ممارسة يومية؛ فالبقاء في الأرض، والتمسك بالبيت، ورفض الرحيل، كلها صور من صور الصمود الفلسطيني الذي ترسخ سياسيًا وثقافيًا منذ ما بعد عام 1967. وهو صمود يبدأ من التمسك بالأرض، ويتطور إلى محاولة بناء القدرة على الاستمرار رغم قسوة الواقع.
لكن الوجه الآخر للمشهد هو قلة الحيلة. فالعائلات المحاصرة تجد نفسها أمام اعتداءات متكررة، في ظل غياب حماية فعالة، بينما يبدو الرد الرسمي الفلسطيني محدودًا، في وقت تتهم فيه جهات فلسطينية قوات الاحتلال بحماية المعتدين أو إغلاق المنطقة عسكريًا بدلًا من توفير الحماية للسكان وردع الاعتداءات.
ولعل المفارقة الأشد إيلامًا أن قُصْرَة، التي تقدم نموذجًا واضحًا للصمود، تواجه في الوقت نفسه ما يمكن وصفه بـ«قصور في قُصْرَة»؛ أي قصور أدوات الردع والحماية، بما يفتح المجال أمام استمرار الاعتداءات، ويجعل التهجير البطيء خطرًا قائمًا على الأرض.
وتتواصل الأحداث حتى نهاية أغسطس/آب 2026، وسط إصابات متكررة في صفوف الفلسطينيين والصحفيين، واتهامات متبادلة، في حين تصدر أحيانًا إدانات إسرائيلية لأعمال عنف يرتكبها المستوطنون، دون أن يترجم ذلك، وفق الرواية الفلسطينية، إلى إجراءات عملية كافية لوقف الاعتداءات.
إن مشهد قُصْرَة يلخص معضلة فلسطينية أوسع: الإرادة قادرة على صناعة الصمود، لكنها وحدها لا تكفي عندما تكون أدوات الحماية محدودة، والميزان مختلًا، والاعتداء مستمرًا.
ومع ذلك، يبقى أهالي قُصْرَة متمسكين بمنازلهم وأرضهم، وكأنهم يقولون إن الصمود ليس انتظارًا للموت، بل تمسك بالحياة، وإن البيت الفلسطيني، مهما ضاقت به السبل، يظل عنوانًا للوجود والكرامة.