حينما اصطدمت بشجرة برتقال
إسراء الشامي
حينما اصطدمت بشجرة برتقال
الكوفية
كُنتُ دومًا أهربُ من النصائح، خاصة تلك النصائح الذهبية الممتلئة بِها كُتب التنمية البشرية، التي تسعى دومًا لإيجاد سبيلًا يُمكنُ القارئ من خلاله الوصول لعيشٍ مثالي وحياة وردية. كان السبب وراء ذلك الهروب، قناعاتي المكتنزة داخل روحي، وهي أنَّه لا يوجد نصيحة واحدة مثالية يمكنها أن تُلائم جميع ظروف الأشخاص، حيث أنَّ لكلِ ظرفٍ لغة نصيحة خاصة به.
إذن؛ تركتُ كُتب التنمية البشرية "النصائح الذهبية" إنْ أمكن التعبير، وانشغلتُ بقضية ربط الواقع بخواطر الخيال، وهربتُ أبحث عن طريقة تمكنني من مواجهة واقعًا سَخط عيشًا كريمًا كان من المفترض أن يكون بخيالٍ لم نطل منه سوى التمني. وجدتُ نفسي أركض في طرقات الروايات بشتى أنواعها، حلقتُ مع دوستويفسكي وكيفية ربطه للأحداث التي تدور فينا وندور فيها بدواخل وأسرار عظيمة تكتنزها النفس البشرية المعقدة. ورغم تعلقي بأعمال العملاق دويستويفسكي، كُنت ما زلتُ أجادلُ وأكابر على أنني غير مهتمة بالأمور النفسية وعلم النفس والبشريةبأكملها، حتى اصطدمتُ قبل أسبوعٍ بشجرة برتقال.
في البداية رأيتُ رواية الكاتب البرازيلي" خوسيه مارو دي" ورائعته البريئة "شجرتي شجرة البرتقال الرائعة" التي جعلتني أحلقُ من جديد كفراشة حول أفكاري ومعتقداتي. حسمت أمري وعدت النظر، إلى أنّ الحصر قد يظلم، لذلك كتب التنمية البشرية ليست محصورة فقط في قالب تقديم نصائح ذهبية، بل قد تظهر لكَ على شكل قصة مطروحة في رواية، والأهم من ذلك أن تكون درس عن الطفولة. هُنا سوف تتنهد وتُسرع دقات قلبك، سيطير عقلكَ ينبشُ في ركنٍ من ذاكرتك شهدت عليه السنون، ولونته الأيام بلون الماضي المائل للرمادي.
ستكمل قراءة هذا الكتاب، وأراهنك إن كانت طفولتك مُعذبة مجروحة لم تأخذ منها حقكَ بالكامل، فإنك ستبكي وهذا رهان لحين أن تعزم وتقرأ هذا العمل العذب القوي. والتجلي دومًا ينبع عن الأعمال العذبة القوية في آنٍ واحد.
أي شيء يمس الطفولة وذكرياتها، يمسني من الداخل بشكل رهيب، لا أعلم السر الكامل الكامن وراء هذا الشعور؟ لكنني أؤمن أن الطفولة من مُعرضة للاغتصاب، للهدم، لشقها وخلعها عن مراحل الإنسان المتبقية، وهنا وهنالك دومًا تكون العائلة السبب الأول والأخير في هدم أو بناء جدار طُفولتك. في علم النفس يُقال: أنّ شخصية الفرد فينا يمكنها التكون بشكل كامل منذ أول خمسة أعوامٍ من عمره. إذن المفتاح بيد العائلة. لا تتجاهل الأمر حينما يُذكر لكَ طفلكَ أنه حينما يكبر سيصبح شاعرًا ببدلة شعراء راقية، أو طبيبًا، أو حتى رائد فضاء. مهما كان الحلم، حينها خُذ بيده وساعده على الحلم، لا تُوبخه. اصنع له حنانًا خاصًا به، لا تجعله يهرب في طرقات العمر باحثًا عن حضن غريب لكنه حنون، لا تخسره بالتوبيخ الدائم، كما لا يمكن أن ينقصُ عمركَ لو قلتَ له دون مناسبة: أحبك.
سرّ شخصياتُنا طفولتنا، والحنان سرٌ كبيرٌ من أسرار الكون، عليه تُبنى الأقوال، وتُركَّبْ المواقف. وجود بيئة داعمة لنا، لم يجعلنا أن نكون في اضطرارٍ دائمٍ لجلد ذكرياتنا حتى لا تأتي بِنا ناحية قطار طفولة مدهوسة بمواقف وأحداث عارية من تنشئة صحيحة مثالية.
إنْ نسيتَ كل شيءٍ، فإنك لن تستطيع أن تنسى موقفًا طفوليًا بكيتَ فيه من كل قلبكَ. علينا بالحنان والاحتواء لطفلنا كي لا تزويه الحياة عنا ويرفض أن يشاركنا أقسى الأسرار. فما أثقل السر إن بقيّ في مقصلة الصمت ولم يتم البوح عنه، وهذا ما عبر عنه خوسيه في كتابه شجرتي شجرة البرتقال الرائعة، حينما قال على لسان زيزا ذلك الطفل الحالم العذب الطافح بالعاطفة والحساسية المفرطة:
"الآن، عرفتُ فعلًا ما الذي يعنيه الألم، الألم ليس في تلقي الضرب حتى الإغماء، وليس في انغراز قطعة من الزجاج في إحدى قدميك تستوجب نقلك إلى الصيدلية لرتق جرحك. الألم هو هذا الشيء الذي يحطم قلبك، الألم هو الموت من دون القدرة على البوح بسرنا لأيّ كان. إنه ألم يشل ذراعيك وفكرك ويجعلكَ غير قادر على إدارة رأسك على المخدة."
أي مرحلة عمرية قد تصل إليها، لا يمكنك أن تنسى طفولتك، كما لا يمكنك إيقاف قطار ذكرياتها المُرة قبل الحلوة. والآن حقٌ عليكَ أن لا تجعل الكرة تتكرر مع أطفالكَ، فقد حان دور جلد أفكارك والنهوض من ذكرى الأمس لتعزيز وبناء ذكرى الغد والاعتراف كُل الاعتراف أن الحنان كما هو سرٌ من أسرار الحياة، وهو أيضًا عجلة ضرورية ومهمة من عجلات الاحتواء اللازم والضروري لأي طفل. عليكَ أن تُقبل مرة أخرى على الحياة، وتحتوي طفلك قبل أن يضيع في زحمة أسراره الثقيلة.