ياسر عرفات.. مسيرة ثورة وسيرة ثائر
ياسر عرفات.. مسيرة ثورة وسيرة ثائر
خاص - نور عليان - راديو الشباب
اختلفوا كثيرًا على مكان ميلاده.. لكنه لم يعد أمرًا ذا أهمية طالما النتيجة تشبه طريق النصر.. فكلها واحدة وكلها حتمية، طالما أن من أشعل النور في طريق التحرير هو ذاته البطل الذي طاف كل بلاد الدنيا يبحث عن فلسطين والفلسطينيين ويجمع شتاتها وشتاتهم؛ ليوحدها ويوحدهم في الحلم الكبير متمثلا في المشروع الوطني الكبير، كحمام السلام الأبيض، شخصية عاشت دومًا تبحث عن دفء وطن كامل سُلب أمام عيون حياة تبحث عن الحياة.

شخصية اختير لها عشرات الألقاب ولكنها أمام فلسطين وجرحها النازف الدامي أصرًّت على كنية أبو عمار تيمنًا بالصحابي عمار بن ياسر؛ ليأتي التاريخ ويلقبه على كفاحاته بالرصاصة الأولى للانتفاضة الفلسطينية، وتلقبه شُعلة النصر والشعب "بالختيار"، الذي أوجد من ضُعف شيبه قوةً هزت وما زالت تهز أوساط جميع المتخاذلين.
وأولع في شبابه بالسياسة وبسياسات الاستعمار في الوطن العربي، فمنذ أول شبابه وحُب الوطن متغلغل في روحه، فقد شارك في مظاهرات عدة ضد الاستعمار البريطاني بمصر، وحضر العديد من الندوات الوطنية التي جعلت بُوصلته الوحيدة هي الوطن.
ففي عام 1944 انضم لاتحاد طُلاب فلسطين ومنه إلى الحركة الوطنية الفلسطينية؛ ليأتي عام النكبة ويُسطر على جنباته الكثير من الحكايات النازفة، فقد أسهم الياسر في خواء هذه الحرب من خلال المشاركة بحصار مستوطنة "كفار داروم" بغزة، وشارك في إشعال فتيل العروبة والثورة حينما أمّد ثوار فلسطين المحاربين في وجه أعداء الإنسانية السلاح وتهريبه من مصر.

وعاش في غزة بعد النكبة النكبة الفلسطينية؛ ليَسْهُلَ عليه الذهاب للقاهرةِ، وإكمال مشوار دراسته في الهندسة في جامعة الملك فؤاد الأول.
وشارك الشهيد الياسر بين عامي1951 و1952 مجموعة من الضباط المصريين في محاربة الإنجليز على قناة السويس، حيث تعرف على أبرز قادة الثورة المصرية ومنهم: كمال الدين حسين، خالد محيي الدين، ومجدي حسنين.
ومن خلال رئاسته لاتحاد الطلبة عام 1952 أثبت للجميع هيمنة الياسر بقراراته الحديدية ومدى تأثيرها على الآخرين، ومدى صرامته وبراعته في القيادة، ومن هُنا بزغ نجم شهيدنا الياسر ومن هُنا بدأت صفحات التاريخ تُزين الجرائدَ وعناوينِها بقصص كفاحاته وصمود غصن الزيتون الأخضر بيده.
نجح في تلك الآونة بالاتصال بمحمد نجيب قائد ثورة يوليو 1952، حيث قدم له عريضة مكتوبة بالدم لأسماء شهداء من فلسطين ومصر ضحوا بحياتهم لأجل فلسطين؛ لتكون هذه المرة الأولى التي يلتقي فيها عرفات بالقائد جمال عبد الناصر.
وعندما أكمل الشهيد عرفات مشواره الجامعي وتخرج من كلية الهندسة فَقَدَ عمله في اتحاد الطلبة مما يفقد الغطاء السري لعمله السياسي، فسارعَ بتأسيس جمعية اتحاد الخريجين الفلسطينيين والتي يتصل من خلالها بخريجي فلسطين، وفي عام 1956 أتى أبو جهاد الوزير للقاهرة لإكمال دراسته ليلتقي بعدها بالياسر، ويتجه كلاهما لتشكيل حركة مستقلة والتحرك لوضع مبادئها الأولية لتنطلق من خلالها حركة فتح.

كان الياسر الشعلة الأولى، والرصاصة الأولى التي تولت كل الأمور بجدية وبقرارات حازمة تليق بمستوى القضية الفلسطينية ولكنه لم يكن يخلو أو يبخل من لمسة حنان ترف في عينيه كلما تكلم وكلما تفقد أسر الشهداء.
قاد أبو عمار حرب يونيو 1967 ولم تثنيه الهزيمة العربية عن الصمود والإصرار، فقد دخل الأراضي المحتلة؛ ليرفع من معنويات ساكنيها ويحثهم على الاستمرار، وأنهم ما زالوا على أعتاب البداية بينما كان الوطن العربي غارقًا بالحزن والهزيمة.
لم يتوانى الياسر عن تنفيذ عمليات سرية عسكرية ناجحة أقلقت الأمن الصهيوني، ووصلت سرية عمله الفدائي، وحينما اشتد العمل الفدائي شنت إسرائيل عام 1968 هجومًا على مدينة الكرامة الأردنية فطالبت الحكومة الأردنية عرفات الانسحاب، حتى صاح صوته بكلماته التي لا تُنسى: "نُطعم لحومنا لجنازير الدبابات ولا ننسحب"، ومن هذا تولدت أعظم وأجمل المعارك الفدائية التي كانت بقيادة الياسر وكبدت العدو الصهيوني مئات الخسائر.
وعُيِّنَ الياسر ناطقًا رسميًا لحركة فتح العاصفة بعد تسجيل النصر، وبدأ يضع الأسس الأساسية للحركة ويسعى لتوسيع دائرة التأييد للحركة ومبادئها، ومن هنا بدأت رحلة تحمل المتاعب وحمل أمانة الشعب الفلسطيني، وبدأت حلقة العمل الفدائي تدور حتى ترأس عرفات اللجنة التنفيذية للحركة، وبدأ يدور حول العالم ليلقى تأييدًا شاملًا واسعًا للحركة وللقضية الفلسطينية أجمع.
شهدت فترة السبعينيات تحديات واضحة من الحكومة الأردنية للحركة وللعمل والحراك الفدائي، فحاول الياسر بقدر الإمكان المحافظة على قداسة القضية وشعبية الحركة.
وخلال رحلتِهِ النضالية والجهادية التي تكللت برفعِ صوت حمامة السلام، تعرض الياسر لعدة محاولات اغتيال كان أخطرها حينما قصف مبنى منظمة التحرير الفلسطينية في عملية أطلق عليها عملية "حمام الشط" في تونس، لكنه نجى ونجى عدة مرات من وحشٍ هارب اسمه الموت ليلتقفه فجأة أمام أعين شعبه ومحبيه بعد عودته من باريس.
واستشهد الياسر وما زال حيًا يُرْزَقُ في قلوبِ ملايين الفلسطينين، وفي عيون الكثير التي انعكست عليها دموع وحنان الختيار، وحتى الآن ما زال شعبنا يفتقد حنانه الذي سبب غيابه فجوة كبيرة ووجع رحيل كبير.
في القلب دومًا غصن الزيتون والعين اللامعة بالحنان.. فالياسر لم يمت بل ما زال ملتصقًا في جدران الذاكرة.