يمكن القول بثقة أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترامب مختلفة تماماً عن ولايته السابقة، وذلك لعدة أسباب، منها أن الرجل صار أكثر خبرة ودراية بإدارة البيت الأبيض، وتوجيه سياسته الخارجية، ومنها، أنه مرت ثماني سنوات على دخوله الأول للبيت الأبيض، ورغم أنه أمضى منها أربعاً خارج البيت الأبيض، لكنه لم يكن بعيداً، بل مارس خلالها ما يمكن وصفه بالدعاية الانتخابية للعودة للحكم، ومن تلك الأسباب أيضاً طبيعة الطاقم الذي اختاره ليدير به السياسة الداخلية والخارجية، والذي يتسم أفراده بكونهم شباناً، أي بينهم وبين الرئيس فارق واضح في السن، كما أنهم أصغر عمراً من طاقم إدارته السابقة، وهذا يعني ترتيباً مقصوداً لإعادة ترتيب القيادة الأميركية بحيث تكون مؤهلة مجدداً لقيادة عالم أكثر حداثة عما كان عليه الحال بعد انتهاء الحرب الباردة.
وما يجعل التوقع يقيناً واليقين ثقة، هو جملة القرارات الدالة على جوهر السياسة الأميركية خلال أربع سنوات قادمة، على أقل تقدير، كما أنه يمكننا أن نغامر بالقول، بأنه رغم أهمية مناصب الخارجية والدفاع والأمن القومي، ومن يتولون تلك المناصب، إلا أن أحد أهم أفراد الطاقم «الترامبي» الحاكم هو أيلون ماسك، أغنى رجل في العالم، والذي رغم أنه لا يتولى منصباً رسمياً، إلا أنه مكلف بمهمة في غاية الأهمية، وتتمثل في إعادة بناء النظام الفدرالي، على مقاس «البزنس»، حيث يبدو بأن «البنزس» هو السمة الناظمة لمجمل السياسات التي ستتبعها إدارة ترامب في ولايته الثانية، بحيث تتقدم نحو إقامة نظام سياسي أميركي على هذه القاعدة، ولقيادة نظام عالمي يقام بدوره على هذا الأساس، بحيث يكون النظام الأميركي مؤهلاً لقيادة نظام عالمي مقام على مقاسه.
الأمر يتجاوز حدود التخمين، فخبرة ترامب وماسك، ما هي إلا خبرة رجلي أعمال ناجحين، الأول في تجارة العقارات التي تبدو تقليدية بالنظر لخبرة ماسك في التجارة العصرية المتنوعة التي تشمل تجارة السيارات والبرامج الإلكترونية وكذلك برامج التواصل الاجتماعي، وشهر واحد فقط مضى على دخول ترامب وطاقمه الإداري للبيت الأبيض كان كافياً لنا للقول بأن معيار الربح والخسارة، ومنطق «البزنس» هو المعيار الأساسي الذي يحكم سياسات البيت الأبيض الداخلية والخارجية، دون أدنى اهتمام بالقيم أو المبادئ، أو الثقافات التي تؤثر على سلوك البشر، ولا حتى بالقوانين والأنظمة، فكل التصريحات والمواقف التي أعلنتها واتخذتها إدارة ترامب الحالية، ارتبطت بمعيار المال، وقد انطبق ذلك على المطالبة بملكية قناة بنما، والمقترحات الخاصة بضم كندا للولايات المتحدة، وملكية اميركا لكل من غرينلاند الدنماركية وقطاع غزة الفلسطيني.
وحتى حين اقترب من حقل الألغام المتفجر في شرق أوروبا، ورغم أنه بدا حين كان ما زال خارج البيت الأبيض، يواصل دعايته الانتخابية للعودة للحكم، نقصد ملف الحرب الروسية_الأوكرانية، ورغم أنه بدا بأنه يناكف خصمه السياسي، باتباع طريق معاكس في الاتجاه لسلفه، الذي أطلق تلك الحرب، وصحيح أنه قال وهو خارج الحكم، بأنه لو كان رئيساً لما اندلعت تلك الحرب أصلاً، وزاد على ذلك بكثير من المبالغة والاستخفاف بعقد السياسة الدولية، حين قال بأنه قادر على وقفها خلال أيام قليلة، إلا أن الثابت بأن موقف ترامب من ذلك الملف، مبعثه المال أيضا، فهو أولاً نظر الى ما صرفته أميركا على تلك الحرب بمنطق التاجر، أي الذي يصرف من أجل الحصول على الربح المالي، دون النظر الى ما تختطه الدول من سياسات بعيدة المدى، المهم، أنه بمنطق التاجر أيضا بالغ في تحديد حجم المساعدات العسكرية التي قدمتها أميركا لأوكرانيا حين قال بأنها بلغت 500 مليار دولار، ليرد عليه فلوديمير زيلنسكي، الرئيس الأوكراني قائلا بأن الحرب كلفت بلاده 320 مليار، ساعدت أميركا وأوروبا بنحو نصفها، وسرعان ما اتضح ما يريده ترامب مقابل موقفه ازاء تلك الحرب.
ذلك المقابل، وكما هي عادة رجل الأعمال، يعرض مطلبه للمزاد، وعلى المتنافسين أن يتقدموا بعروضهم، حيث يرسي المزاد على من يدفع أكثر، وبكل وضوح أعلن ترامب بأنه يريد المعادن الثمينة النادرة الموجودة في أوكرانيا، فإن قدمها له زيلينسكي، فقد يبقي على الموقف الأميركي من الحرب، أو على الأقل يعود للتنسيق مع الأوروبيين ومع أوكرانيا، في مفاوضاته مع روسيا، وإن لم يقدم له الأوكران تلك العقود التي تنص على حصول أميركا على تلك المعادن بما يعادل 500 مليار دولار، فإنه سيذهب ليعقد «صفقة البزنس السياسي» مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وهي صفقة بسيطة، رغم كل التعقيدات في ملف تلك الحرب، وتقوم بكل بساطة على معادلة الأرض الأوكرانية لروسيا، مقابل المعادن الأوكرانية لأميركا.
ولعل زيارة الرئيس الفرنسي لواشنطن قبل أيام، كانت محاولة أوروبية أخيرة لتقليل الخسائر الأوروبية الناجمة عن سياسة التخبط الأميركية، فأميركا هي من ورطتهم بتلك الحرب أصلا، ثم ها هي تقفز من المركب وهو في عرض البحر وتتركهم، بل وذهبت بعيدا_نقصد أميركا_ حين أجرت اللقاء في السعودية بين وزيري خارجيتها ونظيره الروسي، ثم حين تقدمت بمشروع القرار لمجلس الأمن الذي يطالب بوقف الحرب الروسية_الأوكرانية فورا، ووفق المطالب الروسية، وبالضد من مشروع قرار أوروبي معاكس.
والأوروبيون بدورهم انجروا وراء «منطق البزنس السياسي» الذي يشق ترامب طريقه حاليا ليصبح نهجا _ربما_ في السياسة الدولية، حين قال ايمانويل ماكرون الرئيس الفرنسي بأن هناك أصولاً روسية تبلغ ما بين 300_350 ملياراً من الدولارات مجمدة في البنوك الأوروبية، وفي ذلك رسالة أو عرض تجاري لأميركا، وربما حتى أنه ناقش هذا الأمر مع ترامب، على قاعدة أنه يمكن تعويض الأميركيين والأوروبيين معاً، عما قدماه من مساعدات عسكرية لأوكرانيا، وإن لم يقبل ترامب، ويصر على الحصول على المعادن الأوكرانية عبر عقود مع زيلنسكي أو من خلال صفقة مع بوتين، فإنه يمكن لأوروبا أن «لا تخرج من المولد بلا حمص»، وهي ترى بأم عينيها بأن الصراع الكوني المحموم بين أميركا والصين وروسيا، يدور على المال، الذي يدعم الاقتصاد، والذي يحقق بدوره المكانة العالمية في نظام عالمي، بات المال فيه اقوى من السلاح، فتضع يدها على المال الروسي.
ولم تتأثر أوروبا وحدها بما بدأ ترويجه من ادخال للمال على خط السياسة بمنطق «البزنس»، أي الربح والخسارة المباشرين، دون النظر لما هو استراتيجي أو بعيد المدى، بل تأثرت به اسرائيل فورا، وهذا أمر طبيعي، فإسرائيل وأوروبا هما أقرب دولة واتحاد دول لأميركا، بالمعنى التاريخي وحتى في طبيعة النظام، ولعله أمر دال للغاية أن يسارع المستشار الألماني اليميني الجديد لدعوة بنيامين نتنياهو المتهم من قبل القضاء الدولي لزيارة برلين، حتى قبل أن ينتهي من تشكيل حكومته الجديدة، وإسرائيل بدأت تسير على خطى «بزنس السياسة الأميركية»، فها هو يائير لابيد زعيم المعارضة الإسرائيلية ورئيس حكومة إسرائيل السابق يقدم في خضم الجدل على اليوم التالي للحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، بمقترح ربما أنه ليس جديدا، لكنه غريب، وله أهداف خبيثة، لا تخفى على المراقبين، فضلا عن السياسيين المعنيين.
خرج لابيد بمقترح يقول بإدارة مصر لقطاع غزة بعد الحرب، وذلك مقابل شطب الديون المصرية، ورغم أن لابيد خارج الحكومة، أي أن مقترحه غير رسمي، لكنه يشكل «بالون اختبار»، رغم ذلك فإن له دلالات لا بد من التوقف عندها، فهو أولا ينطبق مع منطق ترامب السياسي، المتمثل بشراء مواقف الدول بالمال، وثانيا، هو يبيع الوهم، فما أن تلتقط مصر، وهذا احتمال معدوم ، حتى لا يتحقق شيء من المقابل المالي المطروح، فديون مصر ليست لإسرائيل ولا حتى لأمريكا، هذا حتى لو اعتبرنا بأن لابيد يتحدث باسم بلاده وأمير ..124كا معا، وثالثا، وهذا أهم ما في الأمر أن مقترح لابيد بإعادة إدارة مصر لغزة والأردن للضفة، يهدف لتجاوز الحق الفلسطيني بالدولة المستقلة التي هي عضو في الأمم المتحدة، ويحول تلك الأرض لأرض متنازع عليها حدوديا بين جارتي اسرائيل، المرتبطتين معها بمعاهدتي سلام، وكان يمكن أن تقترح اسرائيل ذلك حين وقعت معاهدتي كامب ديفيد ووادي عربة، وهذا يحرر اسرائيل من كونها دولة احتلال منبوذة في العالم.
كما أن ذلك يعني _لو تم طبعا_ بأن التنفيذ سيبدأ بغزة، وبذلك تحقق إسرائيل هدف الفصل النهائي والتام بين غزة والضفة، كما أنه يجعل من غزة خاضعة لنصوص اتفاقية كامب ديفيد، وأهمها أن تكون ضمن المنطقة «سي» من سيناء المنزوعة السلاح، ويعني ذلك ضم غزة لسيناء وليس لمصر، بحيث يمكن تنفيذ التهجير بحيث يصبح انتقالاً سكانياً داخلياً.