عامٌ على مجزرة السترات الزرقاء..
خاص|| الموت على الهواء.. فخ إسرائيلي يغتال 5 صحفيين وطواقم إنقاذهم
خاص|| الموت على الهواء.. فخ إسرائيلي يغتال 5 صحفيين وطواقم إنقاذهم
الكوفية عامٌ مضى على تلك الليلة الدامية، ليلة الـ25 من أغسطس/آب التي ستيبقى محفورة في وجدان الجسم الصحفي الفلسطيني، حين استهدفت قوات الاحتلال الإسرائيلي السترات الزرقاء في مجمع ناصر الطبي في مدينة خان يونس جنوب قطاع غزة.
عامٌ مرّ، وما زالت كاميرات الشهداء شاهدة ترفض المحو، وما زال رفاق الدرب يقبضون على جمر الحقيقة، ويستذكرون فرسانًا رحلوا وتركوا خلفهم إرثًا نضالياً معمدًا بالدم.
موقع "الكوفية" التقى بشقيق أحد الشهداء وزملائه الشهود الذين عاينوا الجريمة على الهواء مباشرة، لينقلوا لنا بتفاصيل حصرية مروعة تفاصيل أبشع مجزرة عرفها التاريخ الحديث بحق الإعلام الإنساني والخدماتي.
حسام المصري.. دينامو مخيم الصحفيين
يرجع الصحفي عز الدين المصري بذاكرته إلى البدايات الأولى لشقيقه الشهيد المصور حسام المصري، ويقول لـ"الكوفية": "بدأ حسام العمل معي في التصوير منذ نعومة أظفاره في بداية التسعينات، وكان حينها فتى صغيراً لا يتجاوز الـ 15 عاماً من عمره، شارك معنا في تغطية حدث تاريخي هام، وهو احتفالية افتتاح أول جلسة للمجلس التشريعي بحضور الرئيس الراحل ياسر عرفات (أبو عمار)، وكان حسام من المصورين الأساسيين على البث المباشر معنا، ثم شق طريقه وعمل في تلفزيون فلسطين ليصبح مصوراً معتمداً".
ومع اندلاع حرب الإبادة، انغمس حسام حتى النخاع في الميدان، ويروي شقيقه: "كان حسام من الأوائل الذين أسسوا مخيم الصحفيين في مجمع ناصر الطبي، وتحول سريعاً إلى الدينامو المشتعل لكل الوكالات دون استثناء، اسألوهم؛ من كان يوفر الإنترنت؟ من كان يوفر الكهرباء والمياه واللوجستيات؟ إنه حسام الذي كان يعمل على مدار الساعة رغم أن لديه زوجة مريضة وولدان يدرسان في الخارج، لقد كان صاحب ابتسامة ونكشات ومرحات لا تُنسى، وكان ذراعي الأيمن في كل شيء، وفقدانه ليس باليسير".
كواليس الاغتيال.. هندسة القتل العمد
من جانبه، يسرد مراسل قناة "الغد" الفضائية، الصحفي إبراهيم قنن، تفاصيل الدقائق الأخيرة التي سبقت الجريمة بغصة قائلًا: "يوم 25 أغسطس من أصعب الأيام التي مرت عليّ شخصيًا. قبل الحدث بنحو 40 دقيقة، كان الزميل حسام المصري جالسًا معي في الغرفة ذاتها، ثم صعد إلى الطابق الرابع في مجمع ناصر الطبي لتعديل زاوية كاميرا وكالة رويترز المثبتة والموصولة بالإحداثيات (GPS) بسبب أشعة الشمس، وفور وصوله إلى أعلى السلم دوى انفجار هائل".
ويكشف قنن عن طبيعة الاستهداف قائلاً: "تم استهداف الزميل حسام والجزء الشمالي من درج المجمع بقذيفتين؛ الأولى أصابت حسام مباشرة، والأخرى سقطت في قسم العمليات، في ذلك الوقت كنت أستعد للخروج على الهواء مباشرة، وشاهدت الانفجار وأدركت فوراً أن الاستهداف لشخص حسام، استلمت الهواء من غرفة الأخبار وبدأت بالحديث عن الجريمة طوال 6 أو 7 دقائق متواصلة".
الفخ الدامي.. قصف على الهواء مباشرة
ولم تكتفِ آلة القتل باستهداف حسام، بل تعمدت إيقاع أكبر قدر من الضحايا عبر استهداف المستجيبين الأوائل.
يروي قنن اللحظة الفاجعة لـ"الكوفية": "عند الساعة العاشرة و17 دقيقة بالتمام، وبينما كنت أتحدث على الهواء، دوى انفجار ثانٍ عنيف. هذا الانفجار استهدف الطواقم الطبية، رجال الدفاع المدني، المواطنين، والزملاء الصحفيين الذين هرعوا جميعًا إلى السلم فور وقوع القصف الأول للاطمئنان على حسام ومحاولة إنقاذه، وقعت المجزرة الثانية وكانت الصورة تُنقل على الهواء مباشرة.. إنها ذكرى أليمة جداً، أن تتحدث عن زملائك وجسدك الصحفي وهم يُقصفون ويُقتلون أمام عينيك دون أن تمتلك القدرة على فعل شيء لحمايتهم".
خمسة أقمار انطفأت على سُلم مجمع ناصر
ويوثق رفاق الدرب من قلب مكان الجريمة حجم التدمير الكبير والقصف العنيف الذي تعرض له هذا السلم الذي سيبقى شاهداً على أبشع جريمة نفذها الاحتلال بدم بارد.لقد ارتقت في هذا الاستهداف الغادر كوكبة من خمسة من خيرة الزملاء الصحفيين وهم: الشهيد حسام المصري، الشهيد معاذ أبو طه، الشهيدة مريم أبو دقة، الشهيد أحمد أبو عزيز، والشهيد محمد سلامة.
ولم تتوقف المقصلة عند اغتيال هؤلاء الأقمار الخمسة، بل طالت القذائف رجال الدفاع المدني، والمسعفين، والأطقم الطبية الإنسانية الذين اختلطت دماؤهم بدماء فرسان الصحافة.
فاشية ونازية تفوقت على التاريخ البشري
إن الجرائم التي تقترفها إسرائيل بحق الصحافة الفلسطينية لم تقترف منذ أن خُلقت هذه البشرية وحتى الآن؛ فلم يسبق لأي دولة استعمارية، فاشية، أو نازية عبر التاريخ أن ارتكبت مثل هذه المجازر الممنهجة والمنظمة بحق الكلمة الحرة والطواقم الخدماتية والإنسانية.
لقد قدم الصحفي الفلسطيني في غزة تضحيات لم يقدمها أي إنسان في تاريخ العمل الإعلامي العالمي، وما زال يقف فوق الركام، يمسح الغبار عن عدسته، ليثبت للعالم أن الجسد قد يرحل، لكن الكاميرا تبقى شاهدة والقاتل لن يفلت من العقاب.