نشر بتاريخ: 2026/09/13 ( آخر تحديث: 2026/09/13 الساعة: 18:09 )

خاص|| مواجهة تتجاوز غزة.. لماذا أصبح دحلان مشكلة لنتنياهو؟

نشر بتاريخ: 2026/09/13 (آخر تحديث: 2026/09/13 الساعة: 18:09)

الكوفية تقرير: علي أبو عرمانة - في خضم الأزمة السياسية التي يعيشها بنيامين نتنياهو، لم يعد اسم القائد محمد دحلان يظهر في الخطاب الإسرائيلي باعتباره مجرد اسم فلسطيني، بل تحول إلى عنوان لحضور سياسي يتقاطع مع ملفات غزة ومستقبلها، ومع شبكة واسعة من الاتصالات العربية والدولية التي تتحرك بحثًا عن مخرج للحرب.

الهجوم الذي شنه نتنياهو والليكود على دحلان، واتهامه بالسعي إلى إسقاط الحكومة الإسرائيلية، جاء في توقيت بالغ الحساسية بالنسبة لرئيس الوزراء الإسرائيلي، الذي يواجه أزمة سياسية متراكمة، وأسئلة ثقيلة حول مسؤولية حكومته وأجهزتها عن إخفاقات السابع من أكتوبر، إلى جانب تداعيات الحرب والملفات القضائية والسياسية التي تحاصره.

ويرى الكاتب والمحلل السياسي أحمد حسني أن الحملة ضد دحلان تعكس حالة ارتباك داخل معسكر نتنياهو، مشيرًا إلى أن اتهامه بالتدخل في الانتخابات الإسرائيلية «مزاعم سخيفة ومغرضة ومفضوحة»، وأن الهدف منها تحويل الأنظار عن المسؤولية السياسية والأمنية والعسكرية عن إدارة الحرب.

لكن خلف الهجوم الإسرائيلي تبدو مسألة أكثر عمقًا تتصل بمستقبل غزة بعد الحرب، وبالقوى التي تملك القدرة على التأثير في صياغة هذا المستقبل.

دحلان.. مسار مختلف لغزة

منذ بداية الحرب، تحرك دحلان عبر قنوات عربية وإقليمية ودولية بحثًا عن ترتيبات تضع حدًا للحرب وتفتح الطريق أمام إعادة إعمار غزة واستقرارها، ضمن تصور يقوم على شراكة فلسطينية ودعم عربي وإدارة فلسطينية للقطاع.

في المقابل، يرتبط نهج حكومة نتنياهو باستمرار السيطرة الأمنية الإسرائيلية، وتأجيل ترتيبات ما بعد الحرب، وربط مستقبل غزة بالحسابات الأمنية والسياسية الإسرائيلية، وهنا تحديدًا تتقاطع المصالح المتعارضة.

فبحسب أحمد حسني، فإن اليمين الإسرائيلي لا يريد مسارًا سياسيًا يفتح الباب أمام تعافي الفلسطينيين وإعادة بناء قطاع غزة، بينما يسعى دحلان إلى مسار يحمي الفلسطينيين، ويوقف الحرب، ويفتح الطريق أمام الإعمار والاستقرار، وصولًا إلى مشروع سياسي يحفظ الحقوق الفلسطينية.

ولهذا، فإن حضور دحلان في هذا الملف لا يمكن فصله عن شبكة الاتصالات التي جرت مع أطراف عربية وإقليمية ودولية، ولا عن محاولات البحث عن صيغة لمعالجة ملف السلاح، الذي يستخدمه نتنياهو ذريعة لإطالة أمد الحرب.

تحذيرات ما قبل 7 أكتوبر.. أين كان دحلان؟

المفارقة أن الهجوم الحالي على دحلان يأتي بينما تعيد تقارير إسرائيلية فتح ملف التحذيرات التي سبقت هجوم السابع من أكتوبر.

بحسب ما أوردته صحيفة «هآرتس»، نقلت دولة الإمارات إلى نتنياهو تحذيرًا واضحًا قبل نحو أسبوع إلى أسبوع ونصف من الهجوم، استنادًا إلى تقديرات بشأن تحرك كبير كانت حماس تستعد له بقيادة يحيى السنوار.

وتشير تقارير إسرائيلية إلى أن محمد دحلان، يمتلك شبكة واسعة من العلاقات والاتصالات، ارتبط بهذا المسار الإقليمي في نقل التقديرات بشأن ما كان يجري في غزة.

وتأتي هذه الرواية ضمن صورة أوسع، إذ أفادت تقارير بأن الشيخ محمد بن زايد أجرى اتصالًا مع نتنياهو للتحذير من خطورة التطورات، بينما لم تتعامل القيادة الإسرائيلية مع التحذير باعتباره إنذارًا يستوجب الاستعداد لما سيحدث.

وشدد الصحفي الإسرائيلي شلومو إلدار على أن قصة الاتصال لم تظهر من فراغ، مؤكدًا أن «هآرتس» امتلكت وثائق وشهادات وتسجيلات قبل نشر التقرير، وأن التحقيق كان قيد الإعداد لأسابيع.

كما نقلت تقارير إسرائيلية عن مصادر قريبة من القيادة الإماراتية أن أبوظبي أرسلت أكثر من رسالة وتحذير إلى إسرائيل بشأن تحرك مختلف كانت حماس تعد له، مع عدم وجود تأكيد بأن التحذيرات تضمنت تفاصيل عسكرية دقيقة أو موعدًا محددًا للهجوم.

وهذه نقطة جوهرية، التحذير لم يكن بالضرورة معلومات استخبارية مكتملة عن تفاصيل السابع من أكتوبر، لكنه كان مؤشرًا واضحًا إلى أن شيئًا كبيرًا كان يتشكل، وكان يفترض أن يرفع مستوى الاستنفار داخل المؤسسة السياسية والأمنية والعسكرية الإسرائيلية.

أكرم عطا الله: نتنياهو «ذئب جريح»

الكاتب والباحث السياسي أكرم عطا الله يضع الهجوم على دحلان في سياق مختلف، ويرى أن نتنياهو يحاول من خلال هذه الاتهامات تقديم نفسه باعتباره مستهدفًا من مؤامرة خارجية، بدل مواجهة الأسئلة المتعلقة بأدائه ومسؤوليته السياسية.

ويعتبر عطا الله أن اتهام دحلان بالسعي إلى إسقاط نتنياهو يمثل، من زاوية فلسطينية، «وسام شرف»، مشيرًا إلى أن دحلان لم يدخل أصلًا في الصراعات الداخلية الإسرائيلية، ولا يعنيه من يحكم إسرائيل بقدر ما يعنيه ما تفعله الحكومات الإسرائيلية تجاه الشعب الفلسطيني.

ويصف عطا الله نتنياهو بأنه «ذئب جريح»، لا يزال يمتلك أدوات القوة، لكنه يواجه خطرًا سياسيًا متزايدًا، ولذلك يبحث عن روايات تمكنه من إعادة تعريف المعركة أمام جمهوره.

ومن هنا، تصبح قصة دحلان بالنسبة إلى نتنياهو مفيدة سياسيًا، بدل أن يكون النقاش حول إخفاقات السابع من أكتوبر، وإدارة الحرب، ومستقبل غزة، يتحول الحديث إلى «تدخل فلسطيني» في الانتخابات الإسرائيلية.

لكن أهمية دحلان في هذه المعادلة لا تتوقف عند الاتهام الإسرائيلي، بل ترتبط بالموقع الذي أصبح يحتله في النقاش حول غزة وما بعد الحرب، وبشبكة العلاقات العربية والدولية التي تتيح له التحرك في ملفات تتجاوز الساحة الفلسطينية الداخلية.

هجوم الليكود.. محاولة لقلب الرواية

يرى أحمد حسني أن حملة الليكود ضد دحلان تأتي في لحظة انتخابية وسياسية حساسة، وأن نتنياهو يحاول من خلالها إعادة ترتيب صورة الصراع أمام الجمهور الإسرائيلي.

أما أكرم عطا الله فيرى أن الهجوم يحمل محاولة واضحة لقلب رواية التحذيرات السابقة، وتحويل دحلان من شخصية ارتبط اسمها بمحاولات التحذير والتحرك السياسي إلى طرف متهم بالتآمر على الحكومة الإسرائيلية.

وبهذا المعنى، يصبح الهجوم على دحلان جزءًا من معركة أكبر على الرواية السياسية، من المسؤول عن الإخفاق؟ ومن حذر؟ ومن حاول التحرك؟ ومن يملك تصورًا لما بعد الحرب؟

غزة في قلب المواجهة

المواجهة بين دحلان ونتنياهو، في جوهرها، لا تتعلق بالانتخابات الإسرائيلية وحدها، ولا يمكن اختزالها في الاتهامات التي يطلقها الليكود، بل تتصل بصورة المرحلة المقبلة في غزة.

في جوهر المواجهة، يقف مساران متناقضان، مسار فلسطيني-عربي يدفع باتجاه وقف الحرب وإعادة الإعمار والاستقرار وإدارة فلسطينية للقطاع، ومسار إسرائيلي يريد إبقاء غزة تحت السيطرة الأمنية وتأجيل ترتيباتها السياسية.

ولهذا يصبح حضور دحلان مصدر إزعاج حقيقي لحكومة نتنياهو؛ ليس لأنه طرف في الصراع السياسي الإسرائيلي، وإنما لأن لديه تصورًا مختلفًا لمستقبل غزة، وقنوات اتصال تسمح بتحويل هذا التصور إلى تحرك سياسي وإقليمي.

ومن هنا يمكن فهم ارتفاع نبرة الهجوم عليه، فكلما اقترب النقاش من ترتيبات المرحلة المقبلة، لم يعد النقاش محصورًا في كيفية وقف الحرب، بل امتد إلى إدارة غزة، وإعادة إعمارها، وموقع الفلسطينيين في مستقبلها.

وفي هذه الملفات تحديدًا، تتقاطع حسابات دحلان مع مصالح عربية ودولية تبحث عن الاستقرار، بينما تصطدم برؤية نتنياهو التي تقوم على استمرار التحكم الأمني وتأجيل الحل السياسي.

دحلان.. ما وراء الهجوم

لذلك، فإن دحلان في الخطاب الإسرائيلي لم يعد مجرد خصم فلسطيني؛ بل أصبح جزءًا من معادلة أوسع تتصل بغزة، وبالمرحلة التي ستلي الحرب، وبالصراع على شكل المنطقة بعد توقف المعارك.

أما محاولة نتنياهو تقديمه كطرف في معركة إسقاط الحكومة الإسرائيلية، فقد تكون في النهاية انعكاسًا للأزمة التي يعيشها رئيس الوزراء نفسه، أكثر مما تكشف عن دور دحلان في الانتخابات الإسرائيلية.

وبينما يحاول نتنياهو نقل المعركة إلى اتهامات تتعلق بالانتخابات، يظل حضور دحلان مرتبطًا بملف أكثر أهمية: مستقبل غزة، وإعادة إعمارها، واستقرارها، وموقع القرار الفلسطيني فيها.

وهنا تكمن دلالة الهجوم؛ فحين يتحول اسم دحلان إلى هدف مباشر لنتنياهو والليكود، فإن القضية لم تعد مجرد سجال سياسي عابر، بل باتت مرتبطة بصراع أوسع على الرواية، وعلى ترتيبات غزة، وعلى شكل المرحلة الفلسطينية والإقليمية المقبلة.

وفي هذه المعادلة، لا يبدو دحلان مجرد اسم يرد في الخطاب الإسرائيلي، بل عنوانًا لمسار سياسي ترى فيه أطراف فلسطينية وعربية ودولية طريقًا مختلفًا عن المسار الذي تريده حكومة نتنياهو.