عيادة إسرائيلية لأطفال غزة.. بين الحاجة إلى العلاج وذاكرة الحرب
عيادة إسرائيلية لأطفال غزة.. بين الحاجة إلى العلاج وذاكرة الحرب
الكوفية في قلب المشهد الإنساني القاسي الذي يعيشه قطاع غزة، تستعد منظمة «ناتان» الإنسانية الإسرائيلية لافتتاح عيادة طبية للأطفال في مخيم للنازحين بمنطقة القرارة في المواصي، جنوب القطاع، لتقديم الرعاية الصحية لأطفال مشروع «قرية أطفال غزة»، الذي يوفر التعليم والوجبات الساخنة لنحو عشرة آلاف طفل موزعين على أربع مدارس. وتبلغ كلفة تجهيز العيادة نحو 200 ألف دولار، بتمويل من متبرعين إسرائيليين ويهود من مختلف أنحاء العالم، وستوفر المنظمة المعدات الطبية والاستشارات عن بُعد من أطباء إسرائيليين، فيما يتولى طاقم طبي محلي تقديم الرعاية للأطفال.
وقد أُنشئ مشروع «قرية أطفال غزة» بالتعاون مع الدكتور ديفيد حسن، جراح الأعصاب الفلسطيني-الأمريكي ومؤسس المشروع، الذي يسعى إلى توفير التعليم والغذاء والرعاية الصحية للأطفال الذين أنهكتهم الحرب والنزوح. وتقول المديرة العامة لمنظمة «ناتان»، أليس ميلر، إن أطفال المشروع يحصلون على برنامج تعليمي ووجبة ساخنة ومساعدة طبية، فيما يرى حسن أن العيادة توفر الجانب الصحي الذي يحتاجه الأطفال إلى جانب التعليم والغذاء.
من الناحية الإنسانية، يصعب الاعتراض على علاج طفل مريض. فالطفل لا يختار الحرب، ولا المكان الذي يولد فيه، ولا يتحمل مسؤولية صراع الكبار. وعندما يكون أمامه ألم ومرض ونقص في الدواء، تصبح الحاجة إلى العلاج أولوية تتقدم على كثير من الحسابات.
لكن السؤال الفلسطيني الأكثر حساسية يبقى حاضرًا: هل يستطيع المواطن في غزة أن يتعامل مع عيادة إسرائيلية بوصفها مشروعًا طبيًا فقط، بعيدًا عن ذاكرة الحرب والدمار؟
الإجابة ليست سهلة. فاسم إسرائيل في الوعي الفلسطيني لا يرتبط بالطب وحده، بل يرتبط بالاحتلال والحصار والحروب، وبالمآسي التي عاشها الفلسطينيون، خصوصًا خلال الحرب الأخيرة.
وقبل الحرب، لم يكن العلاج في المستشفيات الإسرائيلية أمرًا غريبًا على المرضى الفلسطينيين. فقد كانت حالات مرضية من غزة تُحال إلى مستشفيات خارج القطاع، بما فيها مستشفيات في إسرائيل، وفق إجراءات وتصاريح إسرائيلية، وكان الأطفال من بين المرضى الذين يحتاجون إلى رعاية غير متوفرة في غزة. وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن مرضى من القطاع كانوا يُحالون للعلاج في إسرائيل، إلى جانب الضفة الغربية والأردن ومصر، وأن الأطفال شكلوا نسبة مهمة من حالات الإحالة.
ومن هنا تظهر المفارقة العجيبة والمؤلمة: كيف يمكن لدولة أن تفتح عيادة لعلاج أطفال غزة، بينما يعيش أطفال القطاع في ظل حرب تشارك فيها الدولة نفسها؟
إنها صورة تحمل وجهين متناقضين؛ يد تحمل الدواء لطفل، وواقع حرب خلّف الموت والدمار لأطفال آخرين.
وتزداد المفارقة وضوحًا عندما نعرف أن مبادرة «ناتان» لا تأتي من دون ثمن داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه. فبحسب ميلر، واجهت المنظمة ردود فعل عدائية، وخسرت هي شخصيًا أصدقاء إسرائيليين بسبب قرارها مساعدة سكان غزة. وتقول إن بعض الإسرائيليين رأوا أن مساعدة سكان القطاع ليست دورًا إسرائيليًا، بينما اختار آخرون دعم المبادرة.
وتقول ميلر إن الأطفال الذين يعانون في مناطق الحرب ليسوا طرفًا في القتال، بل هم الضحايا، وإن المساعدة الإنسانية لا ينبغي أن ترتبط بالموقف السياسي بين الدول. وفي الوقت نفسه، تقر بأن للعمل الإنساني دلالة سياسية أيضًا، لأنه يُظهر وجهًا مختلفًا داخل المجتمع الإسرائيلي، بحسب تعبيرها.
لكن هنا يجب أن نكون أكثر حذرًا: العمل الإنساني يمكن أن ينقذ حياة طفل، لكنه لا يستطيع وحده أن يمحو ذاكرة شعب أو يختصر قضية سياسية وتاريخًا من الصراع.
فقد يرفض الأب الفلسطيني إسرائيل سياسيًا، لكنه قد يقبل العلاج لطفله إذا كان هذا العلاج سينقذ حياته. وقبول العلاج لا يعني قبول الاحتلال أو التطبيع أو نسيان الضحايا والحقوق الفلسطينية.
وفي المقابل، لا ينبغي أن تتحول المساعدة الإنسانية إلى وسيلة لتجميل صورة الحرب أو إعادة صياغة وعي الضحية. فالعمل الإنساني الحقيقي يجب أن يكون بلا شروط سياسية، وأن يحترم كرامة الإنسان وحقه في العلاج.
وبالتوازي مع إنشاء العيادة، بدأت منظمة «ناتان» مشروعًا لتوزيع نحو عشرة آلاف حقيبة للنظافة الشخصية على النساء في غزة، تتضمن مستلزمات صحية أساسية، في محاولة للاستجابة لبعض الاحتياجات اليومية التي أصبحت أكثر صعوبة في ظل النزوح وانهيار الخدمات.
كما أن للمنظمة تجربة سابقة مع غزة، إذ حاولت قبل نحو خمس سنوات إدخال معدات لإنشاء عيادة لعلاج مرضى السرطان، لكنها لم تصل إلى القطاع، وفق رواية المنظمة.
ومن أكثر مشاهد القصة تأثيرًا رواية ميلر عن لقائها بإحدى مديرات المدارس في غزة بعد وقف إطلاق النار؛ جلستا تبكيان عبر الاتصال المرئي، بينما كانت المرأة داخل خيمتها وسط ظروف قاسية وأطفال يتحركون من حولها. وتقول ميلر إن تلك المرأة رأت للمرة الأولى إسرائيليًا لا يريد قتلها، بل يريد مساعدتها.
هذه العبارة تختصر جوهر الجدل كله، لكنها لا تختصر القضية الفلسطينية.
قد لا تستطيع عيادة واحدة معالجة جراح غزة العميقة، لكنها تستطيع أن تنقذ طفلًا، وهذا بحد ذاته عمل إنساني مهم. غير أن شفاء الجسد لا يعني شفاء الذاكرة؛ فجراح الحرب تحتاج إلى عدالة وسلام وحقوق وكرامة، لا إلى الدواء وحده.
لا ينبغي أن يُحرم طفل فلسطيني من العلاج بسبب هوية من قدم الدواء، كما لا ينبغي أن يُطلب من الفلسطيني أن ينسى لماذا احتاج إلى هذا العلاج أصلًا.
إنها مفارقة تختصر مأساة الحرب: أن تمتد يد للعلاج إلى طفل، بينما تستمر الحرب في صناعة أطفال آخرين يحتاجون إلى العلاج.
والسؤال الذي سيبقى مفتوحًا ليس فقط: هل يقبل الفلسطيني العيادة الإسرائيلية؟ بل: هل تستطيع الإنسانية أن تنقذ الطفل، وفي الوقت نفسه ترفض أن يكون الطفل ضحية للحرب؟